الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
آفات اللسان, الأيمان والنذور
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-تعظيم المؤمن لليمين. 2- حفظ اليمين بالإقلال منها. 3- حفظ اليمين بتكفيرها. 4- حفظ اليمين بالصدق فيها. 5- ذم الإكثار من الحلف. 6- الكذب في الأيمان من خصال الكافرين. 7- التحذير من التهاون باليمين في الخصومة. 8- عواقب اليمين الفاجرة. 9- النهي عن الحلف بغير الله تعالى. 10- أقسام الأيمان. 11- كفارة اليمين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، في قلب المؤمن تعظيمٌ لله، في قلب المؤمن احترامٌ لأسماء الله وصفاته، في قلب المؤمن كمالُ محبةٍ لله، لذا لا ترى المؤمنَ يقدم على يمينٍ بالله إلا وهو على صدقٍ وبرّ، فإنّ تعظيمَه لله يجعله يتوقّف عن اليمين إلا إذا كانت على بِرٍّ وصدق، فلا يحلف بالله كذِبًا وزورًا مهما تكن الأحوال، فتعظيمه لله يمنعه من ذلك، ولا يحلف إلا بالله، فلا يحلف بغير الله؛ لأنه يقدر الله حقَّ قدره، فلا يقدم على حلفٍ إلا بالله.
أيّها المسلم، إنّ الله يقول في كتابه العزيز: إِنَّ ?لَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ?للَّهِ وَأَيْمَـ?نِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلَـ?قَ لَهُمْ فِى ?لآخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ?للَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77] .
هذه الآيات في معرض الذمّ لليهود الذين أنكروا رسالةَ محمّد مع علمهم بحقيقتها وأنها حقٌّ لا إشكال فيه، فأنكروا نبوّةَ محمّد ، وربّما حلفوا بالله على ما يقولون والله يعلم إنهم لكاذبون، فتُوُعِّدوا بهذا الوعيد الشديد أنّ الله لا يكلِّمهم يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم.
أيّها المسلم، فعهدُ الله والأيمان أمرُها عظيم، والتهاونُ بها خطرُه جسيم، ليست الأيمان مجرّدَ كلام تقوله، ولكنها عهدٌ وميثاق، عهدٌ يجب أن تقفَ عنده، وميثاق يجب أن توفيَ به، فعندما تريد الحلِف فقِف مع نفسك قليلًا؛ على أيّ شيء تريد أن تحلف؟ هل هذا أمر ذو شأنٍ تحلف عليه أو أمر لا يستحقّ ذلك حتى ولو كنتَ فيه صادقًا؟ ولذا في حقّ المسلم على المسلم أن تبرَّ بقسمِ أخيك، فقال فيما يأمر به: (( وإبرار المقسِم ) ) [1] . فليس كلّ من تحلِف عليه يقدِّر يمينَك ويعظِّمها، بل بعضهم تحلِف عليه في أمر لا يبالي بيمينك ولا يقيم لها وزنًا.
أيها المسلم، إنّ الله يقول لنا في كتابه العزيز: وَ?حْفَظُواْ أَيْمَـ?نَكُمْ [المائدة:89] . حفظُ هذه اليمين يكون بأمور.
فأولًا: الإقلال من اليمين قدرَ ما تستطيع، فإنّ المكثرَ من الأيمان يوشك أن يقعَ في الكذب من حيث لا يشعر، فإذا خفّت اليمين على لسانِه لا يبالي على أيّ شيء أطلق اليمين.
ومِن المحافظة على اليمين إخراجُ الكفارة إذا كان الحلف على أمرٍ مستقبل، فتخرج الكفارة عوضًا عن تلك اليمين.
ومِن المحافظة على اليمين أن يكونَ حلفُك بالله حقًّا، ولا تحلف بغير الله كما سيُبيَّن.
أيّها المسلم، إنّ اليمين أحد رُكنَي الدّعوى، يقول: (( لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ قوم وأموالهم، ولكنّ البينة على المدّعي واليمين على المنكر ) ) [2] .
أيّها المسلم، يأمرك نبيُّك بأمرين، أحد الأمرين أن تصدُقَ في يمينك، فلا تحلفُ بالله إلا وأنتَ صادق، وثانيًا: أن ترضَى بيمين المؤمن إذا حلَف بالله، يقول: (( من كان حالفًا فليصدُق، ومن حُلِف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ فليس منّا ) ) [3] . من حلف بالله فليصدُق في حلفه، وإذا حلَف لك غيرك يمينًا بالله فاقبل يمينه وكِلْه إلى إيمانه، فإن يكن كاذبًا في يمينه فسيعاقبه الله على تلك اليمين الكاذبة الفاجرة.
أيّها المسلم، من التساهل بالأيمان الإكثارُ منها لأجل الرّبح في المكاسب، فيحلف بالله كاذبًا لأجل أن يروّجَ بضاعته وينفِّق سلعتَه، ولا يدري المسكين أنه قد تحمَّل إثمًا عظيمًا، يقول: (( الحلف منفقَة للسِّلعة، ممحَقَةٌ للكسب ) ) [4] ، بمعنى أن الناس يصدّقونك في يمينك عندما تقول: إن هذه السلعة قيمتها كذا، دخولُها عليّ بمبلغ كذا، فائدتي كذا، فيأخذك آخر بقولك ويصدّقك، وتحلف بالله قائلًا: والله العظيم إني اشتريتُها بألف وربحي فيها خمسون، وقد يكون شراؤك لها بأقلّ من ذلك، لكن اتَّخذتَ اليمين لتخدعَ المشتري، فيظنّ صدقَك وأن قيمةَ السلعة هكذا، والله يعلم أنك كاذب في يمينك. فاتَّق الله في يمينك، ولذا جاء في الحديث الآخر، يروى مرفوعًا أنه قال: (( ثلاثةٌ لا يكلّمهم الله يومَ القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيمِطٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبر، ورجل جعل الله بضاعتَه؛ لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه ) ) [5] .
فانظر إلى هذه الخصال العظيمة الذميمة؛ (( أشيمطٌ زان ) )ذو شيبة لكن مرض قلبِه وحبّه للزنا حتى مع ضعف قدرتِه وقوّته، لكن الأمرَ لمرضٍ في قلبه مرضِ الشهوات، ما منعه كبره ولا استحيى من الله. ثانيًا: (( عائلٌ مستكبر ) )فقير ولكن الكبرَ يملأ قلبَه والعياذ بالله. وثالثًا: (( جعل الله بضاعتَه؛ لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه ) )، جعل اليمينَ بالله مروّجًا لبضاعته، فإن اشترى منك حلف، وإن باع عليك حلف، فهو يحلف على البيع، يحلف لك بائعًا، ويحلف لك مشتريًا؛ لأنه جعل الله بضاعتَه، جعل اليمينَ بالله مروِّجًا لبضاعته إن كان بائعًا، أو محاولًا استمالةَ البائع إن كان مشتريًا. فهو دائمًا يحلف بالله، على أوساخ الدنيا يحلف الأيمان ويكذبها حتى يصدّقه الناس فيما يقول. وقرَن الحلفَ بالله في هذه المسألة بالزنا لما يدلّ على عظيم شأن الحلف الكاذب، وأن الحالفَ بالله كذبًا قد ارتكبَ كبيرة من كبائر الذنوب.
أيها المسلم، الحلف كذبًا من أخلاق الكافرين والمنافقين، يقول الله جل وعلا: وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ ءايَـ?تُنَا قَالَ أَسَـ?طِيرُ ?لأَوَّلِينَ [القلم:10-15] . فنهى الله عن طاعة كلِّ حلاّف مهين.
والمنافقون قال الله عنهم في كتابه العزيز: ?تَّخَذْواْ أَيْمَـ?نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ [المجادلة:16] ، وقال: إِذَا جَاءكَ ?لْمُنَـ?فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ?للَّهِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ?للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لَكَـ?ذِبُونَ [المنافقون:1] .
إذًا فالمؤمن بريء من خصال الكفّار والمنافقين، صادقٌ في يمينه في بيعه وشرائه، فيما يخبر به، فحتى في غير البيع والشراء فلا يحلف بالله إلا على برٍّ وصدق.
أيّها المسلم، ويتساهل البعضُ في الأيمان في الخصومة، عندما يكون بينه وبين آخر خصومةٌ ونزاع، وتتوجَّه اليمين على المدَّعى عليه، فإن يكن ضعيفَ الإيمان قليلَ الخوف من الله حَلَف بالله كذِبًا وزورًا ليكتسبَ القضيةَ ويظنّ أنه بذلك من الفائزين، والله يعلم إنّه من الخاسرين.
فالحلف بالله في الخصومة كذبًا وزورًا كبيرة من كبائر الذنوب، يقول: (( من اقتطع مالَ امرئ مسلم بيمين هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ) ) [6] ، ويقول في حكمه بين متنازعين ترافعا إليه، أحدهما من كِلدة والثاني من حضرموت، اختصما إلى رسول الله في أرض، قال الحضرمي: يا رسول الله، هي أرض ورثتُها من أبي انتزعها مني هذا، فسأل النبي من بيده الأرض فقال: أرضي أزرعُها وهي تحت يدي، فطلب النبي من المدّعي البيّنة على صحّة دعواه، فقال: لا بيّنةَ عندي، فطلب من الآخر مَن الأرضُ تحت يده أن يحلف، فقال الحضرمي: يا رسولَ الله، إنه فاجرٌ لا يبالي ولا يتورّع عن شيء، فقال له النبي: (( ليس لك إلا يمينُه ) )، فقام ليحلفَ فلمّا أدبر قال النبي: (( لئن حلف على اقتطاع مال امرئٍ مسلم ليلقينَّ الله وهو عنه معرضٌ يوم القيامة ) ) [7] .
فيا أخي المسلم، الدنيا بأسرها لا تعوّض عن ذلك، إنّ اليمين الكاذبةَ الفاجرة سُمِّيت بالغموس تغمِس صاحبها في النار وتوقِعه في الإثم، ولذا لا كفّارةَ لها لعظيم خطرها وكِبر جُرمها، ولمَّا عدّ النبي الكبائر قال: (( الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) ) [8] .
أيّها المسلم، لا تظُنَّ اليمينَ بالله كذبًا تمرُّ عبثًا، إنما أنت ستعاقَب بها في الدنيا، وتعاقب بها في الآخرة، وقد تمهَل في الدنيا فيضاعَف لك العقوبة يومَ القيامة، وكم من يمين فاجرةٍ عُجِّل لأهلها العقوبة في الدنيا؛ لأن أيمانهم ظلمٌ وكذِب، تمحَق بركاتِ أموالهم، وتمحَق أعمارَهم، فيعيشون في شقاءٍ وعناء.
فاتّق الله في يمينك، اتّق الله في يمينك ولا تحلف إلا وأنتَ على بِرٍّ وصدق، واحذر الكذب، ولا يستغوينّك الشيطان، فتغترَّ بالدنيا وتخشى من فشلِك في الدعوى وانهزامك أمام خصمِك، فتحلف بالله كذِبًا وبهتانًا. حاسب نفسَك في هذه الدنيا، فأيّ مال أخذتَه بيمين فاجرة فإنه مالُ سحتٍ حرامٌ عليك، يقول: (( من اقتطع مالَ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة ) )، قال رجل: يا رسول الله، ولو يسيرًا؟! قال: (( ولو قضيبًا من أراك ) ) [9] ، يعني لو حلفتَ على قليلٍ أو كثير أنتَ فاجرٌ في يمينك فإنّ الله يوجب لك النار ويحرّم عليك الجنّة، وما أعظمَ ذلك من وعيدٍ لمن تدبّر وتعقّل وراقب الله في أقواله وأعماله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] الأمر بإبرار المقسم أخرجه البخاري في المظالم، باب: نصر المظلوم (2445) ، ومسلم في اللباس والزينة, باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة (2066) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
[2] أخرجه البيهقي في السنن (10/ 252) بهذا اللفظ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وحسنه النووي في الأربعين: الحديث الثالث والثلاثون، والحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 283) ، وأصله في البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم (4552) ، ومسلم في الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه (1711) .
[3] أخرجه ابن ماجه في الكفارات (2101) ، والبيهقي في الكبرى (10/181) عن ابن عمر رضي الله عنهما نحوه، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (11/536) ، وهو في صحيح الترغيب (2951) .
[4] أخرجه البخاري في البيوع (2087) ، ومسلم في المساقاة (1606) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.
[5] أخرجه الطبراني في الكبير (6/246) من حديث سلمان رضي الله عنه، قال المنذري في الترغيب (2/574) :"ورواته محتج بهم في الصحيح"، وقال الهيثمي في المجمع (4/78) :"ورجاله رجال الصحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1788) .
[6] أخرجه البخاري في التوحيد (7445) ، ومسلم في الإيمان (138) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[7] أخرجه مسلم في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (139) عن وائل بن حجر رضي الله عنه.
[8] أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب: اليمين الغموس (6675) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
[9] أخرجه مسلم في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار (137) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، الحلفُ بغير الله شركٌ أصغر، يقول: (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) ) [1] ، ويقول: (( لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله وليصدق ) ) [2] .
فلا يحقّ لك أن تحلفَ بغير الله، لا بالنبيَ ولا بغيره، إذ الأحاديثُ عامّة في النهيِ عن الحلف بغير الله، وأنّ الحلف بغير الله شرك، فلا يجوز الحلف إلا بالله.
أيّها المسلم، إنّ الأيمان في كتاب الله على أقسام:
فهناك لغوُ اليمين، وهو اليمينُ الذي يجري على اللسان من غير قصد الحلف، كأن يقول: لا والله، بلى والله، أو يحلف يظنّ أنه صادقٌ فيتبيّن أن الأمرَ خلاف ما يقول، يعني يحلف بناءً على اعتقاده وتصوّره أنه محِقّ، ولا يعلم أنه كاذب، بل حلفه بناءً على ما يظنّ من صدق نفسه، فتبيّن الأمرُ خلاف ذلك، فهذه لغو يمين لا شيءَ فيها.
يمينٌ آخر هو الحلف كّذبًا وزورًا، بأن يحلفَ على أمر ماضٍ كذبًا وزورًا، فهذه كبيرةٌ من كبائر الذنوب، على من وقع فيها أن يتوبَ إلى الله ويكثِر مِن صالح العمل ويردّ إلى أهل الحقوق حقوقَهم إن كان أخذها في القضاء بيمينٍ يعلَم أنه فاجرٌ في يمينه وكاذب في يمينه. وكذلك بعض الناس يُخبر بخبرٍ ويريد أن يؤكّد خبرَه بيمين كاذبةٍ ولو كان في غير الخصومة، يُحبّ أن ينقلَ الناسُ عنه وأن يصدّقوه فيما يخبر به، فربّما كذب في حلفه وحلف بالله كاذبًا وإن كان يعلم أنه كاذب، لكن لا يبالي والعياذ بالله.
أما اليمينُ الآخر فهي اليمين التي تجري فيها الكفّارة، بأن يحلفَ المسلم على أمر مستقبلٍ، يقول: والله لا أفعل كذا، أو والله لأفعلنّ كذا، ثم يتبيَّن له المصلحةُ في الفعل أو الترك، فالنبي يقول: (( إني لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلا كفّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير ) ) [3] ، وقد قال الله لنبيه: ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ?للَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْو?جِكَ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ ?للَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـ?نِكُمْ وَ?للَّهُ مَوْلَـ?كُمْ وَهُوَ ?لْعَلِيمُ ?لْحَكِيمُ [التحريم:1، 2] .
فاليمينُ إذا حلفتَها بالله، على ولدك على زوجتك على نفسك، فقلتَ: والله لا أفعلُ كذا، والله لا أكلِّم فلانًا، والله لا أدخلُ بيتَ فلان، ثم رأيتَ المصلحةَ في خلاف ذلك فكفّر عن يمينك؛ لأن الله يقول: وَلَـ?كِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ?لأيْمَـ?نَ [المائدة:89] .
والكفارةُ هي إمّا إطعام عشرة مساكين، يُعطَى كلُّ مسكين كيلو ونصف من الأرز أو الحبّ، وإما كسوة عشرة مساكين، وإما إعتاقُ رقبة، فإن تعذّرتِ الأشياء الثلاثة فالله يقول: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـ?ثَةِ أَيَّامٍ ذ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـ?نِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [المائدة:89] ، هذه كفارة اليمين.
وأيضًا جاء في الشريعة النهي عن أن تكونَ اليمين مانعةً لك من الخير كلِّه، قال الله جل وعلا: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ?لْفَضْلِ مِنكُمْ وَ?لسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?لْمُهَـ?جِرِينَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ?للَّهُ لَكُمْ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:22] .
أنزل الله هذه الآيةَ في شأن الصدّيق لما قطع النفقةَ عن بعض من كان ينفِق عليهم حين وقعوا في قضية الإفك، فأنزل الله له: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ?لْفَضْلِ مِنكُمْ وَ?لسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?لْمُهَـ?جِرِينَ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ?للَّهُ لَكُمْ ، قال الصديق: بلى، أحبُّ أن يغفرَ الله لي [4] .
والله يقول جل وعلا: وَلاَ تَجْعَلُواْ ?للَّهَ عُرْضَةً لأيْمَـ?نِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ [البقرة:224] ، لا تجعلوا اليمينَ عرضةً لأعمالكم في ترك البرّ وترك الإحسان، فإذا حلفتَ أن لا تزورَ رَحِمًا أو لا تنفقَ على مسكين أو نحو ذلك، فالخير أن تكفِّر عن يمينك وتفعل الخير؛ لأن هذه من نزغاتِ الشيطان، والمسلم مأمور بتدارك خطئه، وأن لا يُصرّ على ترك الخير، فلا تكون اليمين بالله مانعةً لك من فعل الخير، بل افعل الخيرَ وكفّر عن يمينك.
المقصودُ أن المسلمَ يتّقي الأيمان ويحفظها، فلا يستخفّ بها، ولا يتهاون بها، ولا يحلف إلا صادقًا، ولا يحلف كاذبًا، ولا يدَع الكفارة، وليكن حلفُه بالله وحدَه، وليجتنب الحلفَ في البيع والشراء خوفًا من أن تزلَّ به القدم، فيستخفّ باليمين في بيعه وشرائه، فيمحَق الله بركةَ رزقه وعمله.
أسأل الله أن يوفّقني وإياكم لما يرضيه من القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد امتثالًا لأمر ربكم، قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
[1] أخرجه أحمد (2/ 125) ، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء (3251) ، والترمذي في الأيمان والنذور، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (1535) واللفظ له من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن"، وصححه ابن حبان (4358) ، والحاكم (1/ 65) ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2042) .
[2] أخرجه البخاري في التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها (7401) ، ومسلم في الأيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله (1646) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (( فليحلف بالله أو ليصمت ) ).
[3] أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنواب المسلمين (3133) ، ومسلم في الأيمان، باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها (1649) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في المغازي (3910) ، ومسلم في التوبة (2770) عن عائشة رضي الله عنها في حديث قصة الإفك.