الرقاق والأخلاق والآداب
التوبة
عكرمة بن سعيد صبري
القدس
المسجد الأقصى
1-تهنئة المسلمين الذين تمكنوا من أداء صلات الجمعة في الأقصى الأسير. 2- بعض فضائل رمضان. 3- شروط التوبة النصوح. 4- الدعوة للتوبة والاستغفار. 5- الحث على أداء الزكاة. 6- الحذر من الذنوب وخطر التهاون فيها. 7- جدار الفصل العنصري الذي يقيمه اليهود. 8- حق العودة إلى الوطن لإخواننا المهجرين من فلسطين.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، نحن الآن في الثلث الثاني من شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الذي أوله رحمة، أوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، نسأل الله العلي القدير أن يرحمنا برحمته، وأن يغفر لنا ذنوبنا وأن يعتقنا وإياكم من النار بفضل هذا الشهر العظيم.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، يا من تخطيتم حواجز الاحتلال، أنتم اليوم في الجمعة الثانية من شهر رمضان المبارك، فمن أدى صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك في هذا الشهر المبارك فقد جمع ثلاث فضائل، الجمعة لها فضيلة، والصوم له فضيلة، والأقصى له فضيلة، فهذه الفضائل لها منزلة عالية في قلوب المؤمنين، فطوبى لمن جمع هذه الفضائل في هذا اليوم وأداها على وجهها الصحيح وحافظ عليها.
فاحمدوا الله أيها المصلون الذي أنعم عليكم بهذه الفضائل، هذه الفضائل التي حرم منها ما يزيد عن مائة ألف مصلي نتيجة الإغلاقات على المدن والقرى والمخيمات، ونسأل الله رب العالمين أن يتقبل منا ومنكم هذه الطاعات وأن يفرج الكرب ويرفع المعاناة عن إخواننا المحاصرين في أرضنا المباركة.
وحياكم الله أيتها الجماهير الإسلامية المؤمنة التي تحتشد الآن في رحاب المسجد الأقصى المبارك، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على تعلق المسلمين بأقصاهم رغم العقبات والحواجز، ونسأل الله العلي الكبير أن تكونون أيها المسلمون على قلب رجل واحد في ظل راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، في هذا الشهر المبارك تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتربط الشياطين بالسلاسل، لقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ) ) [1] ، والحكمة من ذلك أيها المصلون حتى يكون للناس حوافز للإقبال على الله رب العالمين، وليتوبوا توبة خالصة له عز جل، فإن باب التوبة مفتوح ينتظر التائبين المستغفرين العابدين.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، لقد ذكر القرآن الكريم اثنين وثمانين موضعًا للتوبة، وذلك لبيان أهمية موضوع التوبة ولتشجع العاصين على التوبة وحثهم عليها، ويقول سبحانه وتعالى في سورة التحريم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا [التحريم:8] ، وذكر علماء التوحيد شروطًا للتوبة النصوح، وهي الشرط الأول أن يقلع التائب عن المعصية أي أن يبتعد عنها، والشرط الثاني أن يندم على فعلها ما صدر منه من موبقات ومحرمات، الشرط الثالث أن يعزم على أن لا يعود إلى مثلها مرة أخرى.
هذه الشروط - أيها المصلون - بحق التائب عن معصية تتعلق بحق الله تعالى فقط، أما إذا كانت المعصية لها علاقة بحقوق الناس، فإنه بالإضافة على الشروط الثلاثة يوجد شرط رابع، وهو أن يؤدي التائب حق الناس، فإن كان مالًا رده إليهم وإن كان غيبة أو نميمة أو نهشًا للأعراض فلا بد من طلب العفو والمسامحة ممن آذاهم، أما سماسرة السوء فجريمتهم تتعلق بحق الله وحق العباد معًا.
ونلفت نظر أهل بيت المقدس إلى أن السماسرة قد نشطوا في هذه الأيام لشراء بيوت في البلدة القديمة من مديتنا المباركة المقدسة، فكونوا على حذر منهم.
فعليكم ـ أيها المسلمون ـ الالتزام بالتوبة النصوح، كما عليكم الإكثار من الاستغفار وتلاوة القرآن الكريم وبخاصة في هذا الشهر الكريم، شهر الصيام، لقد كان رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار بقوله: (( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ) [2] ، فهذا الرسول صلوات الله وسلامه عليه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة باليوم الواحد، مع أن الله عزل وجل قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بغيره من الناس!! فالمسلم بحاجة إلى الاستغفار بصورة مستمرة، وبحاجة إلى تلاوة القرآن الكريم بدلًا من الثرثرة وكلام الدنيا الفانية.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، نتساءل: هل الذي يمتنع عن إخراج الزكاة تقبل توبته؟ والمعلوم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وهي واجبة على الموسر، وهي في نفس الوقت حق للفقير، ويقول الله عز وجل في سورة الذاريات: وَفِى أَمْو?لِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَ?لْمَحْرُومِ [الذاريات:19] ، وفي سورة المعارج: وَ?لَّذِينَ فِى أَمْو?لِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لّلسَّائِلِ وَ?لْمَحْرُومِ [المعارج:24، 25] ، فلا بد على كل موسر أن يزكي ماله لأن الزكاة هي حق الله وحق العباد، ونحث الموسرين أن ينتهزوا شهر رمضان المبارك لإخراج زكوات أموالهم التي فيها طهارة لهم: خُذْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] ، وليكسبوا الثواب المضاعف، وليسدوا رمق إخوانهم المحتاجين والمنكوبين نتيجة نسف المنازل وتهجير الآلاف منها، والخير موجود في هذه الأمة إلى يوم القيامة إن شاء الله، وتحية إكبار للمحسنين الذين قدموا مساعداتهم للجان الزكاة وللجان التكافل الاجتماعي.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، ونذكركم بإخراج صدقة الفطر أيضًا، وأجاز الحنفية إخراجها نقدًا لمنفعة الفقراء، وكل قطر من الأقطار الإسلامية يقدرها على ضوء معدل الأسعار للمواد الأساسية التي هي غالب قوت أهل البلد، وفي فلسطين قدرت صدقة الفطر بدينار أردني واحد، أو بسبعة شواقل عن كل فرد كحد أدنى، في حين قدرها إخوتنا في مناطق 1948 بعشر شواقل على ضوء الأسعار لديهم، وكلما زاد المسلم في رفع قيمة هذه الصدقة، فإنه يكسب ثوابًا ويسد حاجة إخوانه الفقراء.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، لا تستخفوا بذنوبكم، فتوهموا أنفسكم أنكم مبرؤون من الذنوب والآثام، فالمؤمن الصادق هو الذي يعد الذنب ثقيلًا عليه كالجبل، لما ورد في صحيح البخاري عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأثاره ) ) [3] ، فالاستخفاف بالذنوب والاستهزاء والسخرية ليس من علائم الخير ولا من دلائل الإيمان، بل هو من دلائل الفسوق والنفاق والعصيان والمكابرة.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، سارعوا إلى التوبة النصوح في أقرب وقت، لأن الله عز وجل لا يقبل التوبة ممن حضرته الوفاة، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) ) [4] ، أي ما لم يحتضر للموت، فما دام الإنسان لا يعلم أين ومتى تكون وفاته، فعليه بالتوبة المبكرة دون تسويف ولا تأجيل، جاء في الحديث النبوي الشريف: (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ) [5] صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم اجعلنا من التوابين ومن المتطهرين، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ادعوا الله وأنتم موقنون بالاستجابة فيا فوز المستغفرين.
[1] أخرجه البخاري في الصوم (1899) ، ومسلم في الصيام (1079) .
[2] أخرجه البخاري في الدعوات، باب: استغفار النبي... (6307) .
[3] أخرجه البخاري ـ موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه ـ في كتاب الدعوات، باب: التوبة (6308) .
[4] أخرجه أحمد (2/153) ، والترمذي في الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار... (3537) ، قال: حسن غريب، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في الزهد، باب: ذكر التوبة (4253) ، وصححه ابن حبان (الإحسان ـ 2/395) ، رقم (628) ، والحاكم (4/286) ، وحسّنه الألباني في صحيح الترمذي (2802) ، وصحيح ابن ماجه (3430) ، وصحيح الجامع (1903) .
[5] أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب: ذكر التوبة (4250) ، والطبراني في الكبير (10/150) ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه. وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، مجمع الزوائد (10/200) ، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (3427) ، وصحيح الجامع (3008) .
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلاة وسلام دائمين على يوم الدين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، هناك مسألتان تتعلقان بمصالح المسلمين لا مجال لتجاهلهما، بل يتوجب علينا شرعًا التعرض إليهما، وهما: أولًا: الجدار الأمني الفاصل، وهو في حقيقته جدار عنصري غير أمني، إنه سرطان سيمتد في بلادنا، ليقطع أوصال البلاد والعباد، إنه سرطان يضاف إلى سرطان المستعمرات وسرطان الطرق الالتفافية.
ومؤخرًا أعلن عن امتداد جديد لهذا الجدار اللعين يعزل مناطق مخيم شعفاط ورأس خميس وضاحية البريد والرام وبئر نبالا، يعزلها عن مدينة القدس، وليخنق مدينة القدس، إن هذا الجدار سيلتهم الأرض ويمزق البلاد ويشتت العباد، إن المخططات التي ستنفذ ستحكم الطوق على مدينة القدس، لتصبح هذه المدينة الأسيرة سجنًا كبيرًا، وليمنع مئات الآلاف من المواطنين من الوصول إلى هذه المدينة الأسيرة ويحرمهم من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك.
مررت على القدس الشريف مسلما على ما تبقى من ربوع كأنجم
ففاضت دموع العين مني صبابة على ما مضى من عصره المتقدم
وإن هذا الجدار اللعين سيحاصر جميع المناطق الفلسطينية، فقد حاصر فعلًا مناطق سلفيت وطولكرم وقلقيلية وعشرات القرى المجاورة لها.
أيها المسلمون، أيها الصائمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، والسؤال: هل هذا الجدار سيوفر الأمن والسلام لشعب إسرائيل؟ والجواب بالطبع: لا، لأن أساليب القهر والقمع والعنف والاغتيال والاعتقال ونسف المنازل لا تؤدي حتمًا إلى الأمن والسلام والاستقرار، ثم ما الهدف من إغلاق الحواجز قبيل المغرب في شهر رمضان المبارك!!؟ أليس الهدف منه هو التنغيص والتضييق على الصائمين حتى لا يصلوا إلى بيوتهم في الوقت المناسب للإفطار.
إن شعبنا المرابط يدرك تمامًا أنه المستهدف، وأن بلاده أيضًا مستهدفة، ولن يستسلم لهذه الإجراءات العنصرية الظالمة، ويتوجب على الأنظمة في العالم العربي والإسلامي أن تفيق من سباتها وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه الأخطار المحدقة بفلسطين وشعب فلسطين، فالمسلمون أمة واحدة (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) ) [1] .
أيها المسلمون، أيها الصائمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، وأما الموضوع الثاني فيتعلق بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وديار آبائهم وأجدادهم، وهذا الموضوع لا يتعلق بستة ملايين لاجئ فحسب، بل يتعلق بأهل فلسطين وجميع المسلمين في أرجاء المعمورة، لنؤكد بأن حق العودة هو حق شرعي ثابت من الثوابت الإسلامية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والفتاوى الدينية التي صدرت سابقًا ولاحقًا في هذا الموضوع واضحة وصريحة ونؤكد عليها.
وإذا لم يستطع اللاجئون الآن العودة إلى ديارهم فإنه لا يجوز أن نتنازل عن هذا الحق أو أن نقبل حلولًا ممسوخة غير مشروعة، فالحق قائم إلى يوم الدين ولا يسقط بتقادم الزمان مهما طال الوقت، وشعبنا أبيّ صبور لن يتنازل عن حقوقه المشروعة، وإن الله عز وجل لن يتخلى عن المؤمنين الذين ينصرونه إِن تَنصُرُواْ ?للَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
[1] أخرجه البخاري في الصلاة، باب: تشيك الأصبح في المسجد وغيره (481) ، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (2585) .