الإيمان
خصال الإيمان
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-وجوب شكر الله تعالى. 2- أعظمُ الشكر. 3- ثوابُ الشكر وأجر الشاكرين. 4- الشكر صفة الأنبياء والصالحين. 5- حقيقة الشكر. 6- لا يبلغ العبد تمام شكر الله تعالى. 7- شكر الله تعالى على نعمة الطاعة. 8- فضل نوافل العبادات. 9- الحث على الثبات والاستقامة.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فتقوى الله خيرُ ما عمِلتم، وأفضل ما اكتسبتم.
أيها المسلمون، إنَّ شكرَ الله على نعمه التي لا تعدّ ولا تُحصى أوجبُ الواجبات وآكد المفروضات، قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ إِلَىَّ ?لْمَصِيرُ [لقمان:14] ، وقال تعالى: فَ?ذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَ?شْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة:152] ، وقال عز وجل: وَ?شْكُرُواْ نِعْمَتَ ?للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [النحل:114] .
والشكرُ لله تعالى يقابل الكفرَ بالله تعالى، قال عز وجل: إِنَّا خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـ?هُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَـ?هُ ?لسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:2، 3] .
وأعظمُ الشكر الإيمانُ بالله تعالى، وأداء فرائضه وواجباته، والبعدُ عن محرماته، ثمَّ شكر بقية النعم إجمالًا وتفصيلًا. كما أن أعظمَ كفران النعم الكفرُ بالرسالة بالإعراض عن الإيمان بالله تعالى، وترك فرائض الله وواجباته، وفعل المعاصي، ثم كفرانُ بقية النعم.
والشكرُ لله تعالى ثوابُه عظيم، وأجره كريم، ينجي الله به من العقوبات، ويدفع الله به المكروهات، قال تعالى: مَّا يَفْعَلُ ?للَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ ?للَّهُ شَـ?كِرًا عَلِيمًا [النساء:147] ، وقال عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِ?لنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـ?صِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـ?هُم بِسَحَرٍ نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ [القمر:33-35] .
والشكرُ تزيد به النعم، وتدوم به البركات، قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] .
وإذا عاين الشاكرون بهجة الجنة ونعيمَها ولذةَ عيشها قالوا: ?لْحَمْدُ للَّهِ ?لَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ?لأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ?لْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ ?لْعَـ?مِلِينَ [الزمر:74] .
والشكرُ صفة الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3] ، وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: إِنَّ إِبْر?هِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـ?نِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ ?جْتَبَـ?هُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل:120، 121] ، وقال تعالى: وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ?لشَّكُورُ [سبأ:13] .
وحقيقةُ الشكر ومعناه الثناءُ على المنعِم جل وعلا بنعمه، وذكرها والتحدّث بها باللسان، قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ [الضحى:11] .
والشكرُ أيضًا محبةُ المنعِم جل وعلا بالقلب والعمل بما يرضيه، قال عز وجل: ?عْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ?لشَّكُورُ [سبأ:13] ، وقال: (( أحبّوا الله من كل قلوبكم لما يغذوكم به من النعم ) ) [1] ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ) )رواه البخاري [2] . فدلَّ على أنَّ العملَ بالطاعة شكرٌ لله تعالى.
والشكرُ أيضًا استعمالُ النعمة فيما يحبّ الله عز وجل، فأعضاءُ البدن إذا استعملها المسلم في طاعة الله واستخدمها العبدُ فيما أحلّ الله له فقد شكر الله على أعضاء بدنه، وإذا استخدم العبدُ أعضاءَ بدنه في معاصي الله فقد فاته شكرُ الله عز وجل، وحارب ربَّه بنعم الله تعالى. والمالُ إذا أنفقه المسلمُ في الواجب والمستحبّ أو المباح يبتغي بذلك ثوابَ الله فقد شكر الله على نعمة المال، وإذا أنفقه العبدُ في معاصي الله تعالى أو المكروهات أو في فضول المباحات المضرّة فقد فاته شكرُ الله عز وجل، واستعان بالمال على ما يُغضب ربَّه، ويكون وبالًا عليه في الدنيا والآخرة. وإذا تمتَّع العبدُ بالطيبات والمباحات وشكرَ الله عليها وعلِم من قلبه أنها نعم الله تفضَّل بها على عباده فقد أدّى ما عليه في هذه النعم، وإذا نسي المنعِم جل وعلا فقد عرّض النعم للتغير، قال الله تعالى: وَضَرَبَ ?للَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ?للَّهِ فَأَذَاقَهَا ?للَّهُ لِبَاسَ ?لْجُوعِ وَ?لْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل:112] .
ومهما اجتهد المسلم وشكر فلن يستطيع أن يقوم بشكر نعم الله على التمام لقول الله تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ?للَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:18] ، ولقول النبي: (( لن يدخل الجنةَ أحدٌ منكم بعمله ) )، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (( ولا أنا إلا أن يتغمدنيَ الله برحمته ) ) [3] . ولكن حسبُ المسلم أن يعلم عجزَه عن شكر نعم ربّه، وأنه لو شكر على التمام فالشكر يحتاج إلى شكر، وحسبُه أن يمتثل أمرَ ربه، ويبتعد عن معصيته، وأن يسدّد ويقارب، ويكثر الاستغفار.
وأعظمُ نعمة على المكلّفين طاعة الله عز وجل، فإذا وُفِّق المسلم لطاعةٍ لربه فعليه أن لا يبطلَها بمعصيةٍ مضادة، وعليه أن لا يأتي بما ينقصها، وأن يتبعها طاعةً أخرى، فإن الحسنة بعد الحسنة شكرٌ للحسنة وزيادةُ ثواب، وما من طاعة فرضها الله عز وجل إلا شرع من جنسها من الطاعات ما يزداد به المسلم إلى الله قربى، وما يُدخل الله به عبدَه الجناتِ العلا، فالصلاة والزكاة والصيام والحجُّ وغيرُها شرع الله نوافلَ مثلها، تجبر نقصَها، ويتسابق فيها المتسابقون في الخيرات، فمن صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر، كما صحّ بذلك الحديث [4] . ونوافل الصيام المستحبة الأخرى يرفع الله بها الدرجات، ويكفّر بها السيئات. ونوافل الصلاة المعلومة والنفقات التي تأتي بعد الزكاة ونوافل الحج والعمرة والنوافل الأخرى شكرٌ عملي لله تعالى، يزكي الله به العباد، ويجزي الله به أعظمَ الثواب في يوم المعاد.
عباد الله، ما أحسنَ الطاعاتِ بعد الطاعات؛ لأنّ في ذلك رضوانَ الله وزيادةَ ثوابه والحرز من عقابه، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات؛ لأن في ذلك غضبَ الله تعالى ونقص ثوابه أو حرمان الثواب بالكلية.
فدوموا ـ رحمكم الله ـ على طاعة ربّكم في الشهور والأيام كلّها، فربُّ رمضان هو ربُّ الشهور والأعوام، وربُّ المكان والزمان، فليس للمؤمن راحة قبل لقاء ربّه، فيا فوزَ من قدّم لأهوال القيامة الأعمالَ الصالحات، ويا ندامةَ من نسيَ آخرتَه ولقي في قبره السيئاتِ والموبقات، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ نَسُواْ ?للَّهَ فَأَنسَـ?هُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـ?بُ ?لنَّارِ وَأَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ أَصْحَـ?بُ ?لْجَنَّةِ هُمُ ?لْفَائِزُونَ [الحشر:18-20] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه الترمذي في المناقب (3789) ، والطبراني في الكبير (3/46، 10/281) ، وأبو نعيم في الحلية (3/211) ، والبيهقي في الشعب (408، 1378) من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما وليس فيه: (( من كل قلوبكم ) )، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه"، وصححه الحاكم (4716) ، وقال الذهبي في السير (9/582) :"هذا حديث غريب فرد، ما رواه عن ابن عباس إلا ولده علي، ولا عن علي إلا ابنه محمد أبو الخلفاء، تفرد به عنه قاضي صنعاء عبد الله بن سليمان، ولم يروه عنه إلا هشام... وليس النوفلي بمعروف"، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (792) .
[2] أخرجه البخاري في التفسير (4837) ، وكذا مسلم في صفة القيامة (2820) .
[3] أخرجه البخاري في الرقاق (6463، 6467) ، ومسلم في صفة القيامة (2816، 2818) من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة رضي الله عنهما.
[4] أخرجه مسلم في الصيام (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، أحمده سبحانه عز وجل وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم الحكيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ذوي النهج القويم.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتقربوا إليه ولا تعصوه.
عباد الله، استقيموا على صراط الله المستقيم، واتّبعوا سنةَ نبيّكم الموصوف بالخلق العظيم، واحذروا الشيطان والهوى فإنه يريد أن يجعل الأعمال الصالحة هباءً منثورًا، فاستعينوا عليه بالله، وردّوه خائبًا مدحورًا بالمداومة على الطاعة والبعد عن كل معصية، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـ?لَكُمْ [محمد:33] ، وقال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ?للَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِ?للَّهِ ?لْغَرُورُ إِنَّ ?لشَّيْطَـ?نَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَ?تَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لسَّعِيرِ [فاطر:5، 6] .
واعلموا أنكم على ربكم تعرضون، وبأعمالكم مجزيّون، وعلى زمن الإمهال والتفريط نادمون، وعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: (( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناس بخلق حسن ) ) [1] .
عباد الله، إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال عز من قال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).
فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وارض عن الصحابة أجمعين...
[1] أخرجه الترمذي في البر (1987) ، وكذا الدارمي في الرقاق (2791) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، ثم أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ به. وقال:"قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر". وهذا الاختلاف من سفيان الثوري، فقد أخرجه أحمد في المسند (5/153) عن وكيع، عن سفيان، وقال في آخره:"قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ، فوجدت في كتابي: عن أبي ذر، وهو السماع الأول". وروي من وجه آخر مرسلًا، ورجحه الدارقطني كما في جامع العلوم والحكم (1/395) . ثم قال ابن رجب:"وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين"، ثم ذكرهما رحمه الله. فالحديث حسن، وقد حسنه الألباني في صحيح الترغيب (2650، 3160) .