الرقاق والأخلاق والآداب
أمراض القلوب
فهد بن عبد الله الصالح
المجمعة
القادسية
1-الحسد من صفات اليهود. 2- الحسد يفرق بين الإخوان والأحباب. 3- دواعي الحسد. 4- الحاسد معترض على قضاء الله وساخط بقدره. 5- الحسد مدخل لعدد من المعاصي. 6- منزلة سلامة الصدر على المسلمين. 7- كيف يعالج المرء نفسه من الحسد. 8- علاج العين.
عباد الله، خصلة ذميمة، وخلق ذميم اتصف به إبليس اللعين، وهو صفة لأعداء الله اليهود، خلق مذموم، أول ذنب بعد الكبر عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي الله به في الأرض... إنه مرض الحسد الذي نهى الله عنه بقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ ?لنَّاسَ عَلَى? مَا ءاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْر?هِيمَ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَءاتَيْنَـ?هُمْ مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء:54] . ونهى عنه رسوله بقوله: (( ولا تحاسدوا ) )رواه البخاري.
بل لقد أمر الله بالاستعاذة من شره في قوله تعالى: وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5] ، والحسد داء ومرض كما قال المصطفى: (( دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء وهي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ) )رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
والحسد يا عباد الله، هو كراهية وصول النعمة إلى الغير، وتمني زوالها عنه، ويكفي من ذمه ودناءته أنه يتوجه نحو الأكفاء والأقارب، ويختص بالمخالط والمصاحب.
أيها المسلمون، ما دفع إبليس اللعين إلى أن يُزين للأبوين عليهما السلام ليقربا الشجرة في الجنة ثم يقعا في المعصية إلا الحسد، وما دفع أحد ابني آدم لقتل أخيه إلا الحسد، والحسد هو الذي دفع إخوة يوسف إلى أن يعقوا أباهم، ويقطعوا رحمهم، ويتآمروا على أخيهم إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [يوسف:8] .
ولما بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، عرف الكثير من أهل الكتاب نبوته وصفته كما جاء في التوراة والإنجيل فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، إلا أن الحسد منعهم من نعمة الإيمان.
وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـ?نِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ?لْحَقُّ [البقرة:109] .
وقد يكون الحسد مدخلًا للشيطان في النفس البشرية فينشغل المرء بالحسد عن عمل الخير والطاعة وعن فعل ما فيه نفع للغير، إذ أن حسده للغير أمسى شغله الشاغل وهمَّه الأكبر.
أيها المسلمون، للحسد دواعي أهمها ثلاثة:
أحدها: بغض المحسود فلا يسر الحاسد أن يرى النعمة على من يبغضه.
الثاني: أن يظهر من المحسود فضلٌ ومزية، يعجز عنه الحاسد فيكره أن يبرز عليه.
الثالث: وهو أخطرها أن يكون في الحاسد بخلٌ بالنعم، أن يراها على عباد الله ولا يملك منعها عن الغير.
أيها الناس، لداء الحسد آثار سيئة وعواقب وخيمة، ترجع على الحاسد وعلى المحسود وعلى الأمة بأسرها، ففي الحسد الخلل في العقيدة، وضعف الإيمان، إذ أن فيه اعتراضًا على الله في قضائه، واتهامًا له في قسمته بين خلقه أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـ?تٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف32] .
والحسد ـ عافانا الله وإياكم منه ـ يورث البغضاء بين الناس، لأن الحاسد يبغض المحسود، وهذا يتنافى مع واجب الأخوة بين المؤمنين، وقد يتدرج الحسد بالحاسد إلى الوقوع في الموبقات والمهلكات، بقصد محاولة إزالة النعمة عن المحسود سواءً بالإيذاء المباشر، أو التسبب في الإيذاء، وقد يصل إلى القتل كما قص الله تعالى علينا في قصة ابني آدم.
ومن أضرار الحسد أنه يمنع الحاسد من قبول الحق إذا جاءه عن طريق المحسود، ويحمله على الاستمرار في الباطل، كما حصل من إبليس لما حسد آدم عليه السلام وحمله على الفسق عن أمر الله والامتناع من السجود، والحسد يحمل الحاسد على الوقوع في عرض المحسود بالغيبة أو البهتان، والإنسان الحسود في هم دائم وقلق مستمر، لما يرى من تنزل فضل الله على عباده، كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.
وقبل ذلك وبعده، ذهاب حسنات الحاسد كما قال النبي: (( إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) ).
أيها المسلمون، هذا الدين جاء ليصلح الدنيا والآخرة، دينٌ متكامل، شامل لمناحي الحياة قاطبة شامل للإنسان ظاهره وباطنه، أقواله وأفعاله، وكما يؤمر الإنسان بنظافة الظاهر، فهو مأمورٌ أيضًا بنظافة الباطن من الأنجاس والأمراض ومنها الحسد.
تأملوا ـ أيها الإخوة ـ معي هذا الحديث العظيم لتعرف شمولية هذا الدين، وعظمة هذا الدين، ومقصد هذا الدين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي فقال: (( يطلع عليكم رجلٌ من أهل الجنة ) )، فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي تبع الرجل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فقال: إني لاحَيْتُ أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار ـ أي تقلب في فراشه ـ ذكر الله تعالى حتى ينهض لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أحتقر عمله قلت: يا عبد الله ـ يقصد الرجل ـ لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت يقول ثلاث مرات: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) )فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوى إليك فأنظر ما عملك، فأقتدي بك، فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. قال عبد الله: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك. رواه الإمام أحمد، وفي رواية: ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخي إلا أني لم أبت ضاغنًا على مسلم.
نعم ـ أيها الإخوة ـ بمثل هذه القلوب النظيفة يكون دخول الجنة، وبمثل هذه القلوب الطاهرة يصح الإيمان ويكمل، ويسلم الصدر من الأحقاد، وينبغي أن تعلم أخيرًا أيها الأخ في الله أنه لا أحد يسلم من الحسد للطبيعة البشرية قال الحسن البصري رحمه الله:"ما من آدمي إلا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلا البغي والظلم لم يتبعه منه شيء".
ومن بُلي بهذا الداء أيها الإخوة فعليه أن يعالج نفسه، ويذكر عظم ذنبه، ويسعى إلى إزالته بتذكر ضرره عليه وعلى إخوانه المسلمين وبتذكر أن الأمور بيد الله عز وجل: لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وأن الخير كل الخير فيما اختاره الله تعالى، وإذا كان الحسد مذمومًا ومحرمًا فإن الغبطة غير الحسد، إذا رأى المسلم على أخيه نعمة فليسأل الله منها من غير تمن لزوالها عن أخيه، وهذه هي الغبطة المحمودة، وأفضل ما تكون في الإنفاق في سبيل الله وفي الفقه في الدين، يقول: (( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) )رواه البخاري.
اتقوا الله يا عباد الله، وليحب كل مسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا، وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ?للَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ?كْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ?كْتَسَبْنَ وَ?سْأَلُواْ ?للَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمًا [النساء32] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حق التقوى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأجسادكم على النار لا تقوى، وأعلموا أنكم بين يدي الله موقوفون، وفي أعمالكم محاسبون، وعلى تفريطكم نادمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
عباد الله، أحيانًا يتأصل الحسد ويزداد في النفس ويؤثر على المرء، وهو ما يسمى بالإصابة بالعين، وقد ورد في السنة علاج لكل من العائن والمصاب، فأما العائن إذا كان يخشى ضرر عينه فليدفع شره بقوله: (( اللهم بارك عليه) ) رواه مالك في الموطأ ورجاله ثقات، كما قال النبي لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف رضي الله عنهم: (( ألا برّكت عليه؟ ) )أي قلت: اللهم بارك عليه.
والعين حق ـ أيها الإخوة ـ فإذا أصيب الإنسان بالعين، وعرف العائن، أمره أن يتوضأ، ثم يغتسل منه المصاب بالعين، ومن علاجه ـ أيضًا ـ الإكثار من قراءة المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، ومن الرقي المشروعة (( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) )رواه مسلم، ومنها: (( أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) )رواه البخاري، ومن العلاج: ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه.
فاتقوا الله ـ يا أمة الإسلام ـ وليحب كل منكم لأخيه ما يحب لنفسه وإذا رأى على أخيه نعمة فليسأل الله مثلها من غير تمن لزوالها عن أخيه.
واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وصلوا وسلموا على نبيكم امتثالًا لأمر ربكم قال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .