فقه
الصلاة
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-إعراض الكثيرين عن حضور الجماعة. 2- فضل ومكانة صلاة الجماعة. 3- فوائد في حضور الجماعة.
أما بعد:
عباد الله، اتقوا الله، واعلموا أن من أفضل شعائر الإسلام ومزاياه العظام: صلاة الجماعة في المساجد.
هذه الشعيرة التي قد خفّ ميزانها اليوم عند كثير من الناس اتباعًا للشيطان ومجاراة لهوى النفوس الأمارة بالسوء. واقتداء بمن قلّ خوف الله في قلوبهم من الكسالى والمنافقين.. وإنها لخسارة وأي خسارة، أن نرى أعدادًا كبيرة وجموعًا غفيرة من الناس في مجمع المسلمين لا يبالون بصلاة الجماعة، ولا يرتادون المساجد، وهم يسمعون المنادي يدعوهم بأعلى صوته ويقول لهم: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فيعرضون عنه، وهم يقولون بلسان حالهم: لا نريد الصلاة ولا نريد الفلاح ـ أي حرمان أعظم من هذا ـ المؤذن يقيم عليهم الحجة في اليوم والليلة خمس مرات، والملك يحصي عليهم، ولو دعي أحدهم إلى طمع من أطماع الدنيا لأسرع وأدلج رغبة في الحطام الفاني، ولو دعاه أمير من الأمراء لخفق قلبه ولبادر بالإجابة خوفًا من عقابه ودفعًا لغضبه، فما بالهم لا يجيبون داعي الله الذي له ملك السماوات والأرض وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. ي?قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ?للَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ?للَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ?لأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء أُوْلَئِكَ فِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ [الأحقاف:31، 32] .
كيف يتجرؤون على مخالفة أمر الله ولا يجيبون دعوته، وهم ليس لهم مناص من قبضته ولا يستغنون عن رزقه طرفة عين، أما حذرهم! أما أنذرهم! أما دعاهم وأمرهم! أما وهب الصحة والقوة لهم! أما أعطاهم المال وأغناهم! أما أمهلهم وحثهم على العمل! وفما بالهم لا يجيبون دعوته ولا يحضرون لأداء عبادته.
عباد الله، إن شأن صلاة الجماعة في الإسلام عظيم. ومكانتها عند الله عالية، ولذلك شرع الله بناء المساجد لها فقال سبحانه وتعالى: فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ?للَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ?سْمُهُ [النور:36] ، وأول عمل بدأ به الرسول حين قدم المدينة بناء المسجد لأداء الصلاة فيه، وشرع الله النداء لصلاة الجماعة من أرفع مكان بأعلى صوت، وعينت لها الأئمة، وكان النبي يتفقد الغائبين ويتوعد المتخلفين.
وقد وشهد الله لمن يحافظ على صلاة الجماعة في المساجد بالإيمان حيث يقول سبحانه: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـ?جِدَ ?للَّهِ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لاْخِرِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى? ?لزَّكَو?ةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ?للَّهَ فَعَسَى? أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ?لْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] ، إن صلاة المسلم مع الجماعة تفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة، فأي فضل أعظم من هذا؛ إنه لو قيل للناس: إن المساهمة في التجارة الفلانية يكسب فيها الدينار بسبعة وعشرين دينار لاقتتلوا على المساهمة فيها طمعًا في الربح العاجل الزائل الذي قد يحصل وقد لا يحصل، وأما المساهمة في التجارة الرابحة بالأعمال الصالحة التي ربحها مضمون وخيرها معلوم، فلا يتقدم لها إلا الأفراد والأكثر كما قال الله: بَلْ تُؤْثِرُونَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا وَ?لأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? [الأعلى:17، 18] .
إن الخُطا التي يمشيها المسلم لصلاة الجماعة تحتسب له عند الله أجرًا وثوابًا فلا يخطو خطوة إلا رُفعت له بها درجة وحُطت عنه بها سيئة كما ثبت في الصحيحين عن النبي: (( صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ ) )مسلم ، وقال: (( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ) ).
فالذي ينتظر إقامة الصلاة في المسجد يحصل على ثلاث مزايا: الأولى: أنه كالمرابط في سبيل الله، والثانية: أنه يكتب له أجر المصلي وهو جالس، والثالثة: أن الملائكة تستغفر له، أضف إلى ذلك إذا كان في هذه الحالة يتلو القرآن أو يذكر الله، فإنه يكتب له أجر التالي أو الذاكر، وعن بريدة عن النبي قال: (( بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )الترمذي وأبو داود.
لقد بلغ من اهتمام صدر هذه الأمة بصلاة الجماعة ما رواه ابن عباس قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) .
وقال النبي: (( مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) )مسلم.
إن صلاة الجماعة فيها تعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يقف المسلمون فيها صفًا واحدًا خلف إمام واحد بين يدي الله يناجونه ويدعونه كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فتظهر قوة المسلمين واتحادهم، وفي صلاة الجماعة اجتماع كلمة المسلمين وائتلاف قلوبهم وتعارفهم وتفقد بعضهم لأحوال بعض، وفيها التعاطف والتراحم، ودفع الكبر والتعاظم، وفيها تقوية الأخوة الدينية، فيقف الكبير إلى جانب الصغير، والغني إلى جانب الفقير، والملك والقوي إلى جانب الضعيف، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، مما به تظهر عدالة الإسلام، وحاجة الخلق إلى الملك العلام.
صلاة الجماعة تؤخذ منها الدروس الإيمانية، وتسمع فيها الآيات القرآنية، فيتعلم بها الجاهل ويتذكر فيها الغافل ويتوب المذنب، وتخشع القلوب وتقرب من حضرة علام الغيوب. صلاة المسلم في جماعة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب والطمأنينة، وإن الإنسان ليجد الفارق العظيم بين ما إذا صلى وحده وإذا صلى مع الجماعة.
إن صلاة الجماعة فيها إعلان ذكر الله في بيوته التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، إن صلاة المسلم مع الجماعة في المساجد يجعله في عداد الرجال الذين مدحهم الله ووعدهم بجزيل الثواب في قوله تعالى: فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ?للَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ?سْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِ?لْغُدُوّ وَ?لاْصَال ِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـ?رَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ?للَّهِ وَإِقَامِ ?لصَّلَو?ةِ وَإِيتَاء ?لزَّكَو?ةِ يَخَـ?فُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ?لْقُلُوبُ وَ?لاْبْصَـ?رُ لِيَجْزِيَهُمُ ?للَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَ?للَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36-38] .
يا من ضيعت الصلاة مع الجماعة، ورضيت بالتفريط والإضاعة، لقد خسرت ورب الكعبة كل هذه الفضائل وفاتتك كل هذه الخيرات، وعصيت الرحمن وأرضيت الشيطان، لقد ظلمت نفسك أعظم الظلم حيث حرمتها ثواب الله وعرضتها لعقابه وأخرجتها من جماعة المصلين وموطن الأمان إلى مواطن الهلكات والمخاوف، يا من تدعى إلى المسجد فلا تجيب، ويطلب منك الحضور فتغيب، سوف تندم مع النادمين يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ?لسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَـ?شِعَةً أَبْصَـ?رُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ?لسُّجُودِ وَهُمْ سَـ?لِمُونَ [القلم:42، 43] ، وما ذلك اليوم منك ببعيد، فانتبه لنفسك وتب إلى ربك، وحافظ على الصلاة مع الجماعة، وإن شق عليك مخالفة هواك ورأيت كثيرًا من الناس في غفلة معرضون فَ?صْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ?للَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ?لَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ [الروم:60] .
لم ترد.