فهرس الكتاب

الصفحة 2498 من 5777

رحمة الله

التوحيد

الأسماء والصفات

عادل بن عدنان النجار

الكويت

العثمان

1-رحمة الله تكلؤنا في كل حال. 2- عظم رحمة الله وسعتها كل الخلائق. 3- صور من رحمة الله.

أما بعد:

عباد الله، إذا اضطرب البحر وهبت الريح العاصف نادي أصحاب السفينة: يا الله، وإذا وقعت المصيبة وحلت النكبة وجثمت الكارثة نادى المصاب المنكوب: يا الله، وإذا بارت الحيل وضاقت السبل وانتهت الآمال وتقطعت الحبال نادوا يا الله، فهو الملك وهو المهين وهو الرحيم جل وعلا.

إخواني، إن رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، هو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، يقول سبحانه: وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء [الأعراف:156] فما من شيء إلا وقد وسعته رحمة الله تعالى، كل شيء دال على رحمة الله، كل شيء ينطق برحمة الله وينطق بألوهيته جل وعلا.

تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين ناظرات بأطراق كأنهن الذهب السبيك

على قطب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

فهذه السماء بغير عمد ترونها من رفعها؟ وهذه الأرض من سطحها وذللها؟ المريض من عافاه؟ والأعمى في الزحام من قاد خطاه؟ الجنين في ظلمات ثلاث من يراعاه؟ الثعبان من أحياه والسم يملأ فاه؟ الشهد من حلاه؟ اللبن من بين فرث ودم من صفاه؟ الصخر من فجر منه المياه؟ الليل من حاك دجاه؟ الصبح من أسفره وصاغ ضحاه؟ الظالم من يمهله؟ الجبار من يقصمه؟ المظلوم من ينصره؟ المضطر من يجيبه؟ الملهوف من يغيثه؟ الضال من يهديه؟ الحيران من يرشده؟ العاري من يكسوه؟ الجائع من يشبعه؟ الكسير من يجبره؟ الأسير من يطلقه؟ الفقير من يغنيه؟

أنت أنت يا عبد الله من خلقك؟ من صورك؟ من شق سمعك وبصرك؟ من سواك وعدلك؟ من رزقك؟ من أطعمك؟ من آواك ونصرك؟ من هداك؟ إنه الله لا إله إلا هو وسع كل شيء رحمة وعلمًا.

والله برحمته نشر هذه الرحمة بين عباده كما قال رَسُولَ: (( جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَه ) )البخاري، وإنك لترى اللبؤة إذا شب حريق في وكرها تقذف نفسها في النار ما تريد إلا إنقاذ أولادها، ولو أهلكت نفسها، كل ذلك رحمة واحدة من رحمات الله تبارك وتعالى أنزلها في الأرض.

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ: (( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) )البخاري.

لذلك يقول رَسُولَ اللَّهِ: (( لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ ) )مسلم.

وأوسعُ صفاته جل وعلا رحمته، وأوسع المخلوقات عرشه، فلما استوى على عرشه كتب على نفسه يوم استوائه على عرشه كِتَابًِا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي.

يقول تعالى مرغبًا عباده برحمته: قُلْ ي?عِبَادِىَ ?لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يَغْفِرُ ?لذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الزمر:53] . فخاطبهم الله بـ (يا عبادي) تأليفًا لقلوبهم وتأنيسًا لأرواحهم.

وبرحمته أرسل الرسل وأنزل الكتب، ويسر على عباده وبعث فيهم محمدًا فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ [آل عمران:159] علمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة، وبرحمته عرّفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا.

وهكذا يبين الله سبحانه على لسان نبيه أنه كل ليلة ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل يقول: (( أنا الملك أنا الملك، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ) ). والناس نيام، العاصون نيام، وهم فقراء إلى الله وهو نيام، وهو الغني عنهم يناديهم هل من مستغفر فأغفر له، يا لها من رحمة عظيمة، وصدق الشاعر إذ يقول:

سبحان علام الغيوب عجبا لتصريف الخطوب

تغدو على مهج النفوس وتجتني ثمر القلوب

يا نفس توبي قبل أن لا تستطيع أن تتوبي

واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب

إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب

والموت شرع واحد والناس مختلف الدروب

وصدق القائل:

يا بني آدم توقر وتجمل وتصبر

ساءك الدهر قليلا وبما سرك أكثر

يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر

أكبر الآثام من أصغر عفو الله أصغر

ليس للإنسان إلا ما قضى الله وقدر

فمن يعطي مثل الله؟ ومن يرحم مثل الله؟ ومن يغفر الذنوب مثل الله؟ فيا حسرة الفارين عن ربهم، ويا حسرة المعرضين عن مولاهم.

كل هذا ليملأ في نفس المؤمن الطمأنينة إلى رحمة الله، والتي تملأ القلب بالثبات والصبر، وبالرجاء والأمل، والتي تستجيش في حس المؤمن الحياء من الله.

وأعظم رحماته سبحانه يوم القيامة بعد صفته جنته، تلكم الجنة التي وعد الله المتقين، سلوة الصالحين وقرة عين الفالحين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلوب العالمين فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة:17] .

هي نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد، في جنة نضرة، في دار عالية سليمة بهية، وصدق الله: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان:20] .

ظلها ممدود، وخيرها غزير غير محدود، وأنهارها تجري في غير أخدود، فتبارك الرب المعبود، دار جل من سواها وبناها، دار طابت للأبرار منازلها المزخرفة، دار تبلغ النفوس فيها منيتها ومناها، رياضها الناضرة مجمع الأصفياء المتحابين، وبساتينها الزاهرة نزهة للمشتاقين، وخيام اللؤلؤ والدر على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين، فيها خيرات الأخلاق حسان الوجوه، أبكارًا عربًا أترابًا كأنهن اللؤلؤ المكنون، قاصرات الطرف من حسنهن الذي قصر عن وصف الواصفين، يغنين بأصوات جميلة عذبة، يتمتع أهلها في كرم الرب الرحيم، وينظرون بأبصارهم إلى وجهه الكريم، فإذا رأوا ربهم تعالى نسوا ما هم فيه من النعيم، ينادي المنادي في أرجاء الجنة مبشرًا لأهلها بدوام النعيم سرمدًا، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا، وإن لكم أن يحل الكريم عليكم رضوانه فلا يسخط عليكم أبدًا، يتزاور فيها الأصحاب والأقارب والأحباب، ويجتمعون في ظلها الظليل، ويتعاطون فيها كؤوس الرحيق والتسنيم والسلسبيل، ويتنادمون بأطيب الأحاديث متحدثين بنعم المولى الجليل، قد نزع من قلوبهم الغل والهم والأحزان، وتوالت عليهم المسرات والخيرات والكرم والإحسان، لمثل هذه الدار فليعمل العاملون، وفي أعمالهم الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون، فوا عجبًا كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قرّ للمشتاقين القرار دون معانقة أبكارها.

ولذلك تعلقت قلوب العباد برحمته، وقيل كان أحد العاصين رُئي في المنام فقيل له ماذا فعل ربك بك؟ قال: قد أحسن وفادتي بأبيات كتبتها تحت وسادتي، فذهبوا إلى وسادته وكشفوا فإذا فيها:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير الآثم

ربي دعوتك ما أمرت تضرعا فإن رددت يدي فمن ذا يرحم

ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم

فمن يا ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير

أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت السيد المولى الغفور

فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جدير

أفر إليك منك وأين إلا إليك يفر منك المستجير

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت