الرقاق والأخلاق والآداب
الكبائر والمعاصي
عادل بن عدنان النجار
الكويت
العثمان
1-ظاهرة انتشار الغناء وكثرة مستمعيه. 2- أدلة تحريم الغناء. 3- مفاسد استماع الأغاني. 4- تناقض أحوال المسلمين مع متطلبات واقعهم.
عباد الله، اتقوا الله واعلموا أن من أعظم ما يصد عن ذكر الله، ويشغل العباد عن طاعته، الاستماع للأغاني والمعازف، على اختلاف أنواعها وتعدد أشكالها. تلكم الأغاني والمعازف التي غزت غالب بيوت المسلمين اليوم أو حاصرتها حصارًا شديدًا.
لقد فتن بالغناء والمعازف كثير من الرجال والنساء الذي ضعف إيمانهم وخفّت عقولهم. واقتدى بهم شباب الأمة من بنين وبنات. فشغلوا أوقاتهم وملؤوا أرجاء بيوتهم بأصوات المغنيين والمغنيات، التي تبثها الإذاعات، أو تسجل في أشرطة تباع في الأسواق، ومن وراء ذلك الصحف والمجلات الماجنة التي تنوه بشأن هؤلاء الفاسقين وتنشر أسماءهم وصورهم على صفحاتها لتعريف الناس بهم، وتروج بضاعتهم المنتنة الخبيثة، حتى لقد أصبح كثير من الشباب يعرف عن هؤلاء المغنيين والمغنيات وأغانيهم كل دقيق وجليل، ويعرف مواقيت بث تلك الأغاني أناء الليل والنهار. ولو سألته عن معنى لا إله إلا الله لقال: هاه هاه لا أدري، ولو سألته عن مواقيت الصلاة لقال: لا أدري، وكيف يدري؟ ومن أين له أن يدري؟ وهمته متجهة لضد ذلك، ووسائل الإعلام تلقنه أغنية فلان وفلانة، وتعلن له مواعيد بثها في كل ساعة، وهذه الأغاني تشغل معظم برامج الإذاعة، وما يفوته سماعه من المذياع يجده مسجلًا على أشرطة تهدى له أو تباع.
عباد الله من كان في شك من تحريم الأغاني والمعازف، فليزل الشك باليقين من قول رب العالمين، ورسوله الأمين، في تحريمها وبيان أضرارها، فالنصوص كثيرة من الكتاب والسنة تدل على تحريم الأغاني والوعيد لمن استحل ذلك أو أصر عليه، والمؤمن يكفيه دليل واحد من كتاب الله أو صحيح سنة رسول الله فكيف إذا تكاثرت وتعاضدت الأدلة على ذلك وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـ?لًا مُّبِينًا [الأحزاب:36] .
فاسمعوا يا رعاكم الله قول ربكم، في تحريم الأغاني والتحذير منها والوعيد لمن اقترفها أو استمع إليها، قال الله تعالى: وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ?لْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ ءايَـ?تُنَا وَلَّى? مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6، 7 ] .
وقد أقسم عبد الله بن مسعود ثلاث مرات على أن المراد بلهو الحديث في هذه الآية ـ الغناء ـ وكذلك قال إبراهيم النخعي والحسن البصري وكثير من الصحابة والتابعين ـ فلهو الحديث ـ هو الغناء والاستماع إليه، صحت بذلك الأخبار، وقال بذلك العلماء الأخيار، لا ينكره إلا السفهاء الفجار. وفي قول الله: وَ?لَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] ، قيل: الغناء. وفي قول الله: أَفَمِنْ هَـ?ذَا ?لْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَـ?مِدُونَ [النجم:59-61] ، قال ابن عباس: السمود في لغة حِميّر يعني الغناء.
وروى البخاري في صحيحه عن النبي أنه قال: (( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ ـ جبل ـ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ).
والمعازف هي آلات اللهو بجميع أنواعها. فذمهم النبي على استحلالها وقرن ذلك باستحلال الحِرَ وهي الفروج يعني استحلال الزنا وباستحلال الحرير والخمر، وتوعدهم بالخسف والمسخ مما يدل على شناعة استباحة المعازف.
عباد الله، إن مفاسد استماع الأغاني كثيرة وآفاته خطيرة، منها أنه يفسد القلب وينبت النفاق فيه كما قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أحمد:"سَأَلْت أَبِي عَنْ الْغِنَاءِ فَقَالَ الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ , وَقَالَ لَا يُعْجِبُنِي". ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:"إنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ". َقَالَ الضَّحَّاكُ:"الْغِنَاءُ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ", وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله إلَى مُؤَدِّبِ وَلَدِهِ:"لِيَكُنْ أَوَّلُ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَدَبِك بُغْضَ الْمَلَاهِي الَّتِي بَدْؤُهَا مِنْ الشَّيْطَانِ, وَعَاقِبَتُهَا سُخْطُ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ الثِّقَاتِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ أَنَّ صَوْتَ الْمَعَازِفِ, وَاسْتِمَاعَ الْأَغَانِي وَاللَّهْوَ بِهَا, يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَنْبُتُ الْعُشْبُ عَلَى الْمَاءِ".
ومنها أنه يمحو من القلب محبة القرآن الكريم فإنه لا يجتمع في القلب محبة القرآن ومحبة الألحان؛ لأن القرآن وحي الرحمن والغناء وحي الشيطان، ولا يجتمع وحي الرحمن ووحي الشيطان في مكان إلا أخرج أحدهما الآخر، ولذلك قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ ءايَـ?تُنَا وَلَّى? مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6] .
ومن مضار الغناء أنه يسخط الله لأنه يصد عن ذكره وطاعته، ومن مضار استماع الأغاني أنه سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، قال ابن القيم رحمه الله:"والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو. وبلوا بالقحط والجدب. وولاة السوء".
ومن مضار استماع الأغاني: أنه مجلبة للشياطين فهم قرناء المغنيين والمستمعين. وما كان مجلب للشياطين فهو مطردة للملائكة لأنهما ضدان لا يجتمعان، فالبيت الذي ترتفع فيه أصوات الأغاني تجتمع فيه الشياطين وتبتعد عن الملائكة. فماذا تكون حال أهل هذا البيت الذين يخالطون الشياطين في بيوتهم. فوا أسفى على بيوت خلت من ذكر الله. ويا أسفى على بيوت خلت من ملائكة الله، وعمرت بالأغاني وامتلأت بالشياطين، فأصبحت مدارس يتخرج منها الأشقياء، نعوذ بالله منها ومن أهلها.
ومن مفاسد استماع الأغاني: الترغيب في الزنا والدعوة إليه، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا، ولهذا يحرص المغنون على إسماع الناس الأغاني التي فيها وصف محاسن النساء وقصص الغرام والعشق والمجون وأشعار الغزل ووصف الخدود والقدود والثغور والنحور وما في معنى ذلك مما يثير الوجد والهوى، لا سيما وقد قرنت بأصوات المعازف وأرسلت على أمواج الأثير تغزو كل بيت وتدخل كل غرفة، ويستمع إليها كل صغير وكبير، وذكر وأنثى إلا من عصم الله ورحم.
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهي
وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجل الله
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي
سمعوا له رعدا وبرقا، إذ حوى زجرا وتخويفا بفعل مناهي
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه خمر العقول مماثل ومضاهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النسوان عند ملاهي
وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي
واحكم فأي الخمرتين أحق بالتحريم والتأثيم عند الله؟
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ?لْحَمْدُ لِلَّهِ ?لَّذِى أَنْزَلَ عَلَى? عَبْدِهِ ?لْكِتَـ?بَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ وَيُبَشّرَ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لصَّـ?لِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف:1، 2] والصلاة والسلام على رسولنا الذي أبان الرسالة وأوضحها أوضح بيان فصلى الله عليه وعلى آله والصحابة أجمعين.
عباد الله، لا بد عباد الله من إنكار المنكر بجميع أنواعه، فقد قال النبي: (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ وَلَم يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ ) ).
عباد الله، إننا لا نلحق اللوم ونحمل المسئولية الإذاعات التي تبث من دول كافرة؛ لأنه ليس بعد الكفر ذنب، ولا يرتجى من الكافر خير، لكننا نحمل المسئولية في ذلك المسلمين الذين يغارون على دينهم وأخلاقهم ونسائهم وذرياتهم، فكيف يليق بهؤلاء أن يرتكبوا ما حرم الله، وكيف يليق بالمسلمين الذين اعتدي على دينهم مقدساتهم، وبلادهم وشرد إخوانهم في أقطار الأرض على أيدي الكفار، والحروب تشتعل لظاها في أطرافهم، كيف يليق بهم مع ذلك أن يلهو ويغنوا ويطربوا وهم جرحى مهددون، إن اللائق بهم والواجب عليهم أن يجدّوا ويجتهدوا في حماية دينهم وبلادهم ويحفظوا أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم.
وفق الله المسلمين للتمسك بدينهم والبصيرة في أمرهم إنه قريب مجيب.