فهرس الكتاب

الصفحة 2370 من 5777

الزكاة

فقه

الزكاة والصدقة

أحمد حسن المعلم

المكلا

خالد بن الوليد

1-الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام. 2- التحذير من منع الزكاة. 3- آثار منع الزكاة. 4- بعض أحكام الزكاة. 5- زكاة الفطر.

أما بعد, فأوصي نفسي المقصرة وإياكم بتقوى الله سبحانه وتعالى.

ثم أما بعد, فيقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَيُؤْتُواْ ?لزَّكَو?ةَ وَذَلِكَ دِينُ ?لقَيّمَةِ [البينة:5] ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما يقول صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها, وحسابهم على الله ) ).

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم, حديثنا اليوم عن ركن عظيم من أركان الإسلام, ألا وهو الركن الثالث من أركان الإسلام, الزكاة التي قرنها الله في كتابه وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة، ولذلك فقد قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، وقال رضي الله عنه: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها) .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما:(ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها:

الأولى: قول الله تعالى: أَطِيعُواْ ?للَّهَ وَأَطِيعُواْ ?لرَّسُولَ [النساء:59] , فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.

الثانية: قوله تعالى: وَأَقِيمُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتُواْ ?لزَّكَو?ةَ [النور:56] فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه.

الثالثة: قوله تعالى: أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ [لقمان:14] فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه) .

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (من كان له مال تجب فيه الزكاة ولم يزكِّ سأل الرجعة عند الموت ـ أي سأل العودة إلى الحياة حتى يزكي ـ فقال رجل لابن عباس: اتق الله، إنما يسأل الرجعة الكفار، فتلا ابن عباس رضي الله عنهما على الرجل قول الحق سبحانه وتعالى: وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـ?كُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ?لصَّـ?لِحِينَ [المنافقون:10] ) .

مانعوا الزكاة سماهم الله مشركين فقال سبحانه: وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ?لزَّكَو?ةَ وَهُمْ بِ?لآخِرَةِ هُمْ كَـ?فِرُونَ [فصلت:7,6] .

مانع الزكاة توعده الله عز وجل بالعذاب الأليم، فقال سبحانه: وَ?لَّذِينَ يَكْنِزُونَ ?لذَّهَبَ وَ?لْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ?للَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34، 35] .

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) ).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم ولكن يوسع الله جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على حده ) ).

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته, مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع ـ وهو الثعبان ـ له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ـ أي شدقيه ـ ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك ) )ثم تلا عليه الصلاة والسلام قول الحق سبحانه وتعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـ?هُمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [آل عمران:180] .

فيا من آتاه الله مالًا ولم يؤد زكاة هذا المال, اتق الله, فبسببك وأمثالك منع الناس القطر من السماء، يقول عليه الصلاة والسلام: (( وما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين ) )أي بالجدب والقحط (( ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا ) ).

الزكاة ـ يا عباد الله ـ طهارة للمال وطهارة للنفس؛ طهارة لنفس التقي من الشح والبخل, وطهارة لنفس الفقير من الحسد والبغض والحقد، يقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] .

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم, والله الذي لا إله إلا هو, لو أخرج الأغنياء زكاة أموالهم لما رأينا فقيرًا ولا مسكينًا ولا جائعًا ولا عاريًا ولا محرومًا، وهذا ما حدث في عصر الخليفة العادل الإمام الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يوم أن أقيم العدل في الأمة, ويوم أن عرف الأغنياء حق الله في أموالهم، جمعت الزكاة في عصر عمر بن عبد العزيز وأراد عمر أن يوزعها فلم يجد فقيرًا واحدًا في أنحاء الأمة، وكان عمر بن عبد العزيز يحكم أمة تمتد حدودها من الصين شرقًا إلى باريس غربًا ومن حدود سيبريا شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا، ومع ذلك جمع عمر بن عبد العزيز الزكاة فلم يجد مسكينًا واحدًا يأخذ الزكاة, وفاض المال في بيت مال المسلمين، فأصدر عمر بن عبد العزيز أمرًا بأداء الديون وقال: اقضوا عن الغارمين. فقضى ديون الناس، وما زال المال فائضًا، فأصدر أمرًا بإعتاق العبيد من بيت مال المسلمين، فأعتق العبيد وما زال المال فائضًا في خزانة الدولة، فأصدر أمرًا بتزويج الشباب وقال: أيما شاب أراد أن يتزوج فزواجه على حساب بيت مال المسلمين. تزوج الشباب وبقي المال.

إخوة الإسلام وأحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم, تجب الزكاة في أربعة أنواع من المال: في الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية, وفي عروض التجارة, وفي الخارج من الأرض من الحبوب والثمار, وفي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فإذا بلغ المال النصاب, وحال عليه الحول, وجبت فيه الزكاة، وقد بين الله سبحانه وتعالى مصرف الزكاة في كتابه الكريم فقال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَاء وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60] , فلا يجوز ولا يجزئ صرف الزكاة لغير هذه الأصناف الثمانية التي بينها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية, ولا يجوز للأغنياء ولا للأقوياء المكتسبين أن يأخذوا منها، فإن أخذوا منها فإنما يأخذون حرامًا وسحتًا، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا, فليستقل أو ليستكثر ) )، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَة لحم ) ).

إخوة الإسلام, شهر رمضان شهر البر والإحسان، شهر المواساة والرحمة، شهر الإنفاق والصدقة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، فما أحسن المعروف يا عباد الله! وما أحسن الجميل! يقول أمير المؤمنين أبو السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ما أحسن الجميل! والله لو كان الجميل رجلًا لكان حسنًا، وما أقبح القبيح! والله لو كان القبيح واللؤم رجلًا لكان قبيحًا) .

ويقول الشاعر عن البذل والجود:

ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل

والله سبحانه وتعالى يقول: مَّثَلُ ?لَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْو?لَهُمْ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَ?للَّهُ يُضَـ?عِفُ لِمَن يَشَاء وَ?للَّهُ و?سِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] .

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا ) ).

الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زادكْ

فيا من أراد أن يخلف الله عليه وأن يبارك له في رزقه وفي دخله, أنفق على الفقراء والمساكين وتفقد الأرامل واليتامى والمحرومين، وأنفق أموالك في أوجه الخير والبر.

إذا كان بعض الجاهليين ـ يا عباد الله ـ لا يرضون أن يعيش في مجتمعهم جائع ولا مسكين وهم وثنيون لا يعرفون ربًا ولا رسولًا ولا دينًا, فما بال أهل الحق يبخلون بفضل الله على عباد الله؟!

فقدموا لأنفسكم ـ عباد الله ـ شيئًا تلقونه هناك، قدموا للقبر، قدموا للصراط، قدموا ليوم الفضائح والكربات، واعلموا أن من قدم خيرًا فإنما يقدم لنفسه: وَمَا تُقَدّمُواْ لانْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ?للَّهِ [البقرة:110, المزمل:20] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحيم: مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه الله جل وعلا هدى ورحمة للعالمين محمد بن عبد الله, عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله الطيبين الطاهرين.

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واسعوا في مرضاته، وتدبروا القرآن الكريم، وتمسكوا بسنة خاتم النبيين، وتفقهوا في الدين، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

أما بعد, فقد شرع الله لنا في ختام شهرنا عبادات تزيدنا منه قربًا وترفع درجتنا عنده سبحانه وتعالى.

من هذه العبادات: زكاة الفطر، فرضها الله سبحانه تطهيرًا للصائم وإظهارًا للمودة والرحمة والمواساة بين الناس.

وهي فريضة على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين أنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير, على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين, فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة, ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

ومقدار هذه الزكاة صاع من قوت البلد تصرف إلى الفقراء والمساكين.

وأما وقت إخراج هذه الزكاة فهو يوم العيد بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العيد، ولذلك سُنّ تأخير صلاة عيد الفطر حتى يتسع الوقت لإخراج هذه الزكاة، وسنّ تعجيل صلاة عيد الأضحى حتى يتفرغ الناس بعد الصلاة لذبح ضحاياهم.

ويجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين, ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد إلا بعذر.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من عباده المقبولين في هذا الشهر الكريم، وأن يجعلنا من عباده الفائزين المستبشرين برضوانه وجناته، ومن عتقائه وطلقائه من النار.

يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت