فهرس الكتاب

الصفحة 2313 من 5777

عيد الفطر 1422هـ

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

محمد بن عبد الله السبيل

مكة المكرمة

المسجد الحرام

1-الحث على شكر الله تعالى وعبادته. 2- الحث على مكارم الأخلاق. 3- كيد أعداء الإسلام. 4- إجرام اليهود في فلسطين. 5- الوسطية والاعتدال 6- التحذير من الإعلام الهدام. 7- كلمات للمرأة المسلمة. 8- صيام ست من شوال.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واشكروه على نعمه التي لا تُحصى ومننه التي تترى، اشكروه سبحانه أن منّ عليكم بهذا اليوم الذي فضًَّله وشرَّفه وجعله عيدًا سعيدًا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه من جوده وكرمه، فاشكروه تعالى على إكمال عدة الصيام، واذكروه وكبِّروه على ما هداكم وحباكم من نعمة الإسلام، واعبدوه حقَّ عبادته، وأخلصوا له الدين وحده، فقد قال عز وجل: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ [البينة:5] . تدبَّروا ـ عباد الله ـ كتابَ ربكم تفلحوا، وتفهَّمُوا سنَّة نبيكم تهتدوا، وحافظوا على الصلاة فإنها عماد الدين، وأدُّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، تدخلوا جنة ربكم. وعليكم ببر الوالدين وصلة الأقارب والأرحام، والإحسان إلى الفقراء والأيتام، وتدرَّعوا بالصبر على أقدار الله، واجتنبوا الربا فإنه من أعظم الموبقات، واحذروا الغش والخداع في المعاملات وتحلَّوا بحسن الخلق والتواضع والتراحم فيما بينكم.

عباد الله، اشكروا الله عز وجل على نعمة الإسلام، وتمسَّكُوا به وافرحوا بهدايتكم إليه، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] . إنه لا سعادة للبشرية إلا في ظلِّ الإسلام وتطبيق أحكامه وتعاليمه، يقول سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَو?ةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل:97] . إن نعمةَ الإسلام لا تعدلها أي نعمة، إنها سعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم يقدرها بعض الجاهلين من المسلمين حقَّ قدرها، فما أكثرَ الجاهلين للإسلام من أبنائه، والحاقدين عليه من أعدائه. فمنذ ظهر الإسلام على وجه البسيطة وأعداؤه يتربَّصون به الدوائر، ويكيدون له المكائد، ومعاركهم معه دائرة في كل زمان ومكان، ولكن حينما كان المسلمون ملتزمين به حقًا وصدقا استطاعوا بتوفيق الله أن يقفوا في وجوه أعداء الإسلام، وأن يسدُّوا عليهم جميعَ المسالك، وأن يكسبوا النصرَ في المعارك، ولكن حينما خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات أصبحت النكبة على الإسلام نكبةً عظمى، حيث استطاع الأعداء الاستيلاءَ على بعض بلاد الإسلام واستلابَ كثير من خيراتها، فكم من بلاد إسلامية تُهتَك فيها الحرمات، ويُيتَّم فيها الأطفال، ويقتل فيه الأبرياء، وتصادَر الأموال، وتستباح المقدَّسات، وتهدَّم المساجد، ويُمنع عبادُ الله من أداء شعائر الله، أليس مسرى نبينا أُولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين يئنُّ تحت الاحتلال من قبل فئة آثمة باغية قد طغت في الأرض علوًا وفسادًا؟! وإخواننا في تلك البلاد المباركة وغيرها من بلاد الإسلام يقتَّلون ويشرَّدون ويعانون من الظلم والعدوان، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِ?للَّهِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [البروج:8] . إن مما يؤسَف له أن يستهدَف الإسلامُ وأهله في أماكن كثيرة، ونجد أن أكثر البلاد الإسلامية تراقب هذه الأوضاع المؤلمةَ دون جهود مبذولة لوضع حدٍّ لتلك المآسي المحزنة. إن مسؤولية الأفراد والجماعات والحكومات مسؤوليةٌ كبيرة، وعليهم واجب إسلامي عظيم تجاه إخوانهم المسلمين، بالوقوف معهم، ودعمهم ماديًا ومعنويًا، واستخدام جميع الوسائل السياسية والاقتصادية لرفع المعاناة عنهم، وإنا لنشكر الله عز وجل ثم نشكر لولاة أمور هذه البلاد على ما يقومون به من مساعدة ومساندة لإخوانهم المسلمين في فلسطين وفي أماكن كثيرة من العالم.

أيها المسلمون، إن دينَ الإسلام دينُ الوسطية والاعتدال، بريء من الانحراف وأهله سواء الجانح منهم إلى التفريط والتقصير أو الجانح إلى الإفراط والغلو، فهدي الإسلام الصحيح بعيد عن الغلو والتنطع والتجاوز لحدود الله، وإن حَمل على ذلك رغبة في الخير ومحبة للدين، لكنه عمل غير سديد لمخالفته ما جاء في الكتاب والسنة، وهما المعيار لصحة المنهج وسلامة المعتقد وصواب العمل كما قال عليه الصلاة والسلام: (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتابَ الله وسنتي ) ) [1] ، ولقد حذَّر من الغلو في الدين متوعِّدًا فاعله بقوله: (( هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون ) )رواه مسلم في صحيحه [2] .

عباد الله، إن المستقرئ للتاريخ يدرك أن ما حصل من انحرافات عقدية أو عملية من بعض الأفراد والطوائف منذ العصور الإسلامية الأولى إلى وقتنا هذا إنما كان بسبب الغلو في الدين وعدم فهم النصوص الشرعية على الوجه الصحيح كما فهمها سلف هذه الأمة. إن هذا الانحراف العقدي من أكثر الأسباب التي أدَّت إلى نشوء الفتن بين المسلمين، وأودى بالأمة إلى الفرقة والنزاع وعدم الوئام بين القادة والشعوب، وإنه لا منقل لأمة الإسلام مما تعانيه من ضعف وهوان وتفرُّق واختلاف إلا بالعودة الصادقة إلى الإسلام الصحيح واستلهام عقائده الصحيحة ومبادئه الحقة على مستوى الأفراد والشعوب والحكومات، حتى تجتمع كلمة الأمة، فتقوى بذلك شوكتها، ويكون حقُّها بين الأمم محفوظًا، وجانبها بين الدول مرهوبًا، وَلَيَنصُرَنَّ ?للَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ?للَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] .

فاتقوا الله أمة الإسلام، واعتصموا بحبل الله المتين، وتمسَّكوا بهدي نبيكم الأمين، واتقوا الله ـ يا شباب الإسلام ـ في أنفسكم وأمتكم، واسلكوا سبيل المتقين الذين ساروا على الصراط المستقيم، دون جنوح إلى الإفراط أو التفريط، والساعين على فهم منهج السلف الصالح بأخذ العلم من منابعه الصافية ومصادره المعتمدة لأئمة الإسلام المعتبرين، والتلقي للعلوم الشرعية عن العلماء الراسخين والفقهاء البصيرين الذين عُرفوا بالعلم النافع والعمل الصالح ووفِّقوا لسلامة المنهج وصحَّة المعتقد، واحذروا الأفكار المنحرفة والاتجاهات المشبوهة وإن تظاهر أصحابها بمظهر النصح وإرادة الخير، فالخير كل الخير في اتباع ما جاء عن النبي وما كان عليه السلف الصالح من الاعتقاد والعمل، ومن سار على هديهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

فاتقوا الله عباد الله، وتذكَّروا باجتماعكم هذا يومَ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينقسمون عندئذ إلى فريقين، فمنهم شقي وسعيد، فَأَمَّا ?لَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ?لنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا ?لَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ?لْجَنَّةِ خَـ?لِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ?لسَّمَـ?و?تُ وَ?لأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:106-108] .

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الجامع (1661) بلاغًا، ووصله الحاكم (1/93) ، والدارقطني (4/245) ، وابن عبد البر في التمهيد (24/331) ، والبيهقي (10/114) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال ابن عبد البر:"وهذا محفوظ معروف مشهور عن النبي عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد"، ثم ذكر له شواهد، وصححه ابن حزم في الإحكام (6/243) ، وحسن الألباني إسناد الحاكم في مشكاة المصابيح (186) ، وانظر: الصحيحة (4/361) .

[2] أخرجه مسلم في العلم (2670) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

الحمد لله الذي وفَّق من شاء من عباده للإنابة، وهداهم لسبيل أهل البر والطاعة، وحماهم عن سلوك أهل الزيغ والضلالة، أحمده سبحانه وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام، نصح الأمة وأدَّى الأمانة وقام بالرسالة خيرَ قيام، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله حق تقاته، وأخلصوا له العبادة والطاعة، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له لعلكم ترحمون.

عباد الله، إن من كمال هذا الدين وشمولية أحكامه أنه ليس دينَ عبادة يؤديها العبد لله سبحانه وتعالى فحسب، بل هو إلى جانب ذلك دينُ أخلاقٍ كريمة ومعاملاتٍ مع الناس حسنة، فعلى المسلم أن يكون محقِّقا لإيمانه بربه، مخلصًا له سبحانه وتعالى في طاعته، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، فإنه لا يكمل إسلام المرء ولا يتمُّ إيمانه إلا حين تنعكس عباداته على سلوكه، ويظهر أثرها في خلقه ومعاملاته، وإن من أسوء ما يؤثر على سلوك المسلم وأخلاقه ما تبثُّه وسائلُ الإعلام من مواد تتنافى مع تعاليم الإسلام وآدابه، بل في كثير منها خطر على الدين والأفراد.

فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على اجتناب ذلك، ومراقبة النشء، وتربيته على منهج الإسلام، والبعد به عن كل ما يتنافى مع تعاليم الدين الحنيف. تلكم مسؤوليتكم أيها الآباء والأمهات، وأنتم أيها المربون والمعلمون. وعلى رجال الإعلام في بلاد الإسلام أن يتقوا الله، وأن يتجنَّبوا التبعية الإعلامية لأعداء الإسلام، وأن لا يقدِّموا للأمة إلا ما يتَّفق مع تعاليم الإسلام وآدابه.

أيتها المسلمة، اتقي الله تعالى وحافظي على ما أوجب الله عليك في دينك وأمانتك وما استرعاك الله عليه، وقومي بحق الزوج خير قيام، حافظي على كرامتك وعرضك، والتزمي الحِشمة والوقار والبعد عن مزاحمة الرجال، واحذري التبرج والسفور، فقد قال الله عز وجل: وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ ?لأُولَى? وَأَقِمْنَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتِينَ ?لزَّكَو?ةَ وَأَطِعْنَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33] .

عباد الله، إن من شكر الله تعالى على إكمال شهر رمضان المداومةَ على طاعة الله، والإنابة إليه ومواصلة الإحسان بالإحسان، وإن مما ندب النبي أمته إليه صيامَ ستٍّ من شوال، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ) ) [1] . فاغتنموا ـ رحمكم الله ـ مواسمَ الخيرات، وتعرضوا لنفحات ربكم في جميع الأوقات، وتسابقوا إلى الخيرات، وتنافسوا في الطاعات، وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ?لْمُتَنَـ?فِسُونَ [المطففين:26] .

ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على خير البرية أجمعين ورسول رب العالمين، نبي الهدى والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك المولى جل وعلا بقوله سبحانه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار، المهاجرين منهم والأنصار، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين...

[1] أخرجه مسلم في الصيام (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت