الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
1-تزكية النفوس من مهمات الأنبياء. 2- الآيات تثني على الخائفين وتعدهم بالنجاة في الآخرة. 3- الخائفون في ظل عرش الله يوم القيامة. 4- عظمة الله الخالق. 5- خشية النبي وأصحابه. 6- الخوف الحقيقي يمنع من المعاصي. 7- كيف نستجلب الخوف إلى نفوسنا.
أما بعد, فيا أيها المسلمون, اتقوا الله تعالى وراقبوه، وامتثلوا أمره، وخافوا عقابه وبطشه وانتقامه إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ ذُو ?نتِقَامٍ [إبراهيم:47] .
عباد الله, إن من المهمات التي بعث بها نبي هذه الأمة محمد تزكية النفس، كما قال عز وجل ممتنًا ببعثته: هُوَ ?لَّذِى بَعَثَ فِى ?لامّيّينَ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـ?تِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ?لْكِتَـ?بَ وَ?لْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ [الجمعة:2] .
وقد علق الله تعالى فلاح العبد بتزكية نفسه، وذلك بعد أحد عشر قسمًا متواليًا، فقال عز وجل: وَ?لشَّمْسِ وَضُحَـ?هَا وَ?لْقَمَرِ إِذَا تَلـ?هَا وَ?لنَّهَارِ إِذَا جَلَّـ?هَا وَ?لَّيْلِ إِذَا يَغْشَـ?هَا وَ?لسَّمَاء وَمَا بَنَـ?هَا وَ?لأرْضِ وَمَا طَحَـ?هَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـ?هَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـ?هَا [الشمس:1-10] .
أيها الأخوة في الله, وإن من أعلى مقامات تزكية النفس، مقام الخوف من الله تعالى، وهو من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] , وقال تعالى: فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَ?خْشَوْنِ [المائدة:3] , وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى ?للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ?لْعُلَمَاء [فاطر:28] .
وإذا كان المسلم محتاجًا إلى تزكية نفسه بالخوف من الله في كل وقت، فإن الحاجة إليه في هذا الزمن شديدة لكثرة المغريات والفتن.
يقول ابن القيم رحمه الله:"وهي منزلة من أجل منازل الطريق إلى الله، وأنفسها للقلب وهي فرض على كل مسلم".
وقد امتدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بذلك فقال: تَتَجَافَى? جُنُوبُهُمْ عَنِ ?لْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] .
وقال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِئَايَـ?تِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَ?لَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبّهِمْ ر?جِعُونَ [المؤمنون:57-60] .
روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله وَ?لَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ أهو الذي يسرق ويزني؟ فقال: (( لا، ولكن الذي يصوم ويتصدق، ويصلي ويخاف أن لا يقبله منه ) ) [1] .
وهو من أسباب النجاة يوم القيامة.
قال تعالى في حديث أهل الجنة بعضهم لبعض: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:25-26] .
أي كنّا في الدار الدنيا ونحن بين أهلينا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه. فَمَنَّ ?للَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَـ?نَا عَذَابَ ?لسَّمُومِ [الطور:27] .
وروى ابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة أن النبي قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: (( قال الله سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ) ) [2] .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) ) [3] .
وقال أبو سليمان الداراني:"ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب".
وقال إبراهيم بن سفيان:"إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات وطرد الدنيا".
أيها الإخوة في الله, إن الخوف من الله قد أقض مضاجع الصالحين، وأسهر عيون العابدين، وأذهب فرح المخبتين، وأطال حزن المؤمنين.
وعلى قدر العلم بالله من أسمائه وصفاته ونعوت جلاله, ومعرفة العبد بنفسه؛ يكون الخوف والخشية، كما قال النبي: (( أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ) [4] .
وقد وصف الله تعالى الملائكة بقوله: يَخَـ?فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] .
ويقول تعالى عن الأنبياء عليهم السلام: ?لَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـ?تِ ?للَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ ?للَّهَ [الأحزاب:29] .
ومن ذا ـ يا إخوان ـ من ذا الذي لا يخاف الله وهو يسمع آيات صفاته ونعوت جلاله؟
وكيف لا يخالط القلب إجلالٌ لله وتعظيم له؟ ونحن نسمع قوله تعالى: وَمَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ?لاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَ?لسَّمَـ?و?تُ مَطْوِيَّـ?تٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَـ?نَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:17] .
أي ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، والقادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنا نجد الله عز وجل يجعل السموات على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله: وَمَا قَدَرُواْ ?للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ?لاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ [الزمر:17] ) [5] .
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: سمعت رسول الله يقول: (( يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ) ) [6] .
وها هي الملائكة على عظم خلقها وما خصها الله من قوة، فهي تخاف من الله سبحانه وتعالى أشد الخوف.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّتِ السماء وحق لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد أو قائم ) ) [7] .
ومعنى أطت: أي لها أطيط كأطيط الرحل، وهو الصوت الذي يخرج من ثقل المتاع، فالسماء لها أطيط ثقلت بالملائكة التي عليها، فما فيها موضع أربع أصابع إلا فيها ملك قائم أو ساجد.
وهذا جبريل عليه السلام على عظم خلقه يقول النبي: (( لما كان ليلة أسري بي رأيت جبريل كالشراك البالي من خشية الله تعالى ) ) [8] .
فسوف يلقون غيًا, أي واد في جهنم, لو سيرت الجبال فيه لذابت من حره، فكيف بمن سيُلقى فيها! أجارنا الله وإياكم منها.
ولكن ـ أيها الإخوة ـ من كان منكم مقصرًا في صلاته أو مضيعًا لها, فليتق الله وليتب إلى الله, وليعاهد الله أن يحافظ عليها, ولذلك استنثى الله وهو أرحم الرحيم: إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ ?لْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّـ?تِ عَدْنٍ ?لَّتِى وَعَدَ ?لرَّحْمَـ?نُ عِبَادَهُ بِ?لْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلَـ?مًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:60-62] .
وهذا إسرافيل عليه السلام لم يضحك منذ خلقت النار.
وهكذا كان رسول الله.
فها هي عائشة تصف لنا رسول الله وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول: ما رأيت رسول الله قط مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى لهواته، إنما كان جلُّ ضحكه التبسم [9] ، وكان يصلي ولجوفه أزير كأزير المِرْجَل من البكاء [10] ، [11] .
وهكذا كان أصحابه من بعده.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل، وكان إذا صلى لم يفهم الناس ما يقرأ من شدة أسفه وبكائه.
وهذا عمر بن الخطاب كان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وهذا عمران بن حصين يقول: يا ليتني كنت رمادًا تذروه الرياح.
وكان لابن عباس مجرى الدمع كأنه شراك بالٍ.
وكانت عائشة رضي الله عنها تبكي وتقول: يا ليتني كنت نسيًا منسيًا.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سلم من صلاة الفجر يومًا, وقد علته كآبة وهو يقلب يديه، ويقول: (لقد رأيت أصحاب رسول الله فلم أرَ اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصيحون شُعْثًا غُبْرًا، بين أعينهم أمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله تعالى، يراوحون بين جباهم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين) .
ثم قام فما رؤي بعد ذلك ضاحكًا حتى مات رحمة الله عليه.
وكان علي بن الحسين زين العابدين إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء، فيقول: (أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟) .
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الخائفين، فقال: (قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا وعلى جهنم طريقنا وبين يدي الله موقفنا؟!) .
مرّ الحسن البصري رحمه الله بشاب وهو مستغرق في ضحكه جالس مع قوم فقال له الحسن:"يا فتى هل مررت بالصراط؟، قال: لا. قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا. قال: فما هذا الضحك؟ قال: فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكًا".
وروي عن ميسرة بن أبي ميسرة أنه كان إذا آوى إلى فراشه يقول: يا ليتني لم تلدني أمي، فقالت له أمه حين سمعته: يا ميسرة، إن الله قد أحسن إليك, هداك للإسلام، قال: أجل، ولكن الله قد بين لنا أنا واردون على النار، ولم يبين لنا أنا صادرون عنها. يعني قوله تعالى: وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:70] .
وقال معاذ بن جبل: (إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه) .
وكان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلةً فبكى أهل الدار لبكائه، ولا يعلمون ما به، فقالت له زوجه: (ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟) قال: (ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير) .
أيها الأخوة في الله, هل خفنا الله حقيقة؟ هل خفنا عقابه وعذابه؟
وكل إنسان يدعي الخوف من الله, ولكن هذا الخوف إما أن يكون صورة أو حقيقة، فمن منعه الخوف من الله من فعل المحرمات فخوفه حقيقة، ومن لم يمنعه الخوف من الله من فعل المحرمات وتمادى بها، فإن خوفه صورة لا حقيقة، وادعاؤه كاذب.
وكنتيجة لهذا الخوف الصوري ها نحن نرى المعاصي والمنكرات منتشرة انتشار النار في الهشيم.
فما خاف الله حقيقة من ترك الصلاة أو تهاون فيها, وما خاف الله حقيقة من تجرأ على محارم الله, وما خاف الله حقيقة من تعامل بالربا, وما خاف الله حقيقة من جلب السوء والفساد إلى بيته, وما خاف الله حقيقة من استمع إلى آلات اللهو المحرمة، أو اشتراها بماله، أو مكّن مَن تحت يده مِن استماعها، أو النظر إليها، أو باعها، أو أعان على نشرها, وما خاف الله حقيقة من ملأ محله ودكانه بالمجلات الماجنة الخبيثة, وما خاف الله حقيقة من يبيع المحرم في محله ودكانه، كالدخان وأشرطة الفيديو والغناء.
وكذلك من النساء من يكون خوفها من الله صورة لا حقيقة.
فما خافت الله من تبرجت أمام الرجال الأجانب, وما خافت الله من خَلَتْ برجل ولو كان سائقًا أو خادمًا, وما خافت الله من لانت بقولها للرجال, أو كانت فتنة لكل مفتون.
وبالجملة فكل من ضيع أوامر الله وارتكب نواهيه فما خاف الله حق الخوف، وما عظّم الله حق تعظيمه.
اللهم اجعلنا ممن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين..
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.
[1] حسن، سنن ابن ماجه في: الزهد، باب: التقوي على العمل (4198) ، وأخرجه أيضًا أحمد (6/159) ، والترمذي في: تفسير القرآن، باب: سورة المؤمنون (3175) . وصححه الحاكم (2-393) ، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن كثير كما في تفسيره (1/176) .
[2] حسن، صحيح ابن حبان (2/406-640) ، والبيهقي (1/483-777) ، وكذا البزار (3232- كشف الأستار) ، وأبو نعيم في الحلية (2/185) ، وصححه الألباني كما في: الصحيحة (742) .
[3] صحيح، البخاري في: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد (660) ، ومسلم في: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (1031) .
[4] صحيح، أخرجه البخاري في: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب (6101) ، ومسلم في: الفضائل، باب: علمه بالله تعالى (2356) .
[5] البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: وما قدروا الله حق قدره (4811) ، ومسلم في: صفة القيامة والجنة والنار (2786) .
[6] البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة (2/48) ، وكذا مسلم في: صفة القيامة والجنة والنار (2787) .
[7] حسن، جزء من حديث أخرجه (5/173) ، والترمذي في: الزهد، باب: في قول النبي: (( لو تعلمون ما أعلم ) )، وقال: حديث حسن غريب (2312) ، وابن ماجه في: الزهد، باب: الحزن والبكاء (4190) ، والبزار (8-177-3208) ، وصححه الحاكم (2/554) .
[8] حسن، بمعناه أخرجه ابن أبي عاصم في: السنة، (ص276) رقم (621) ، والطبراني في: الأوسط (5-64-4679) ، وقال الهيثمي في: المجمع (1/78) : رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح). وقال السيوطي في: الخصائص الكبرى (1/158) : أخرجه ابن مردويه والطبراني في الأوسط بسند صحيح)، وكذا صححه الألباني في الصحيحة (2289) .
[9] صحيح، جزء من حديث أخرجه البخاري في: تفسير القرآن، باب: قوله: فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم[4829).
[10] أي: خنين - بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء. وقيل: أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء. (النهاية لابن الأثير، مادة أزز) .
[11] صحيح، أخرجه أحمد (4/25) ، وأبو داود في: الصلاة، باب البكاء في الصلاة (904) ، والنسائي في السهو، باب: البكاء في الصلاة (1214) ، وصححه ابن خزيمة (2/53) ، وكذا ابن حبان (2/439) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى..
وأشهد أن لا إله إلا الله..
أما بعد, فيا عباد الله, وهناك أمور يستجلب بها الخوف من الله، وهي كثيرة:
أولها: ـ وهو الجامع لكل ما يليه ـ تدبر كلام الله تعالى، وكلام نبيه ، والنظر في سيرته، وسيرة الصالحين من بعده، فإن تدبر هذا مما يعين على الخوف. قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ ?للَّهُ نَفْسَهُ وَ?للَّهُ رَءوفُ بِ?لْعِبَادِ [آل عمران:30] . وقال: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ?لسَّمَاء بِ?لْغَمَـ?مِ وَنُزّلَ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ تَنزِيلًا ?لْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ?لْحَقُّ لِلرَّحْمَـ?نِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ?لْكَـ?فِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ ?لظَّـ?لِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ ي?لَيْتَنِى ?تَّخَذْتُ مَعَ ?لرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:25-27] .
وفي السُّنَّة من ذلك الشيء الكثير.
الأمر الثاني مما يستجلب به الخوف: معرفة أسماء الله وصفاته وقوته وجبروته وعظمته، فمن عرف الله حق معرفته خاف منه حق خوفه، ولذلك كان السلف يقولون: من كان لله أعرف فهو لله أخوف.
فمن تأمل أسماء الله وصفاته ونظر فيها بعين الإيمان، وتأمل فيها ونظر لنفسه بالعجز, علم وأيقن أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم.
ولذلك لو أن كل إنسان أراد مقارفة معصية أو وقوعًا في محارم الله وتذكر عظمة الله وقدرته عليه، لما عصى الله طرفة عين.
وكيف تعصي يا مسكين؟! كيف تعصي جبار السموات والأرض وتنتهك محارم الله وهو ينظر إليك؟!
من أنت عند مولاك وخالقك, إنه مهما علا صيتك وكثر مالك وانتشر نفوذك، فما أنت إلا مخلوق مربوب لا تملك لنفسك حولًا ولا طولًا؛ إنما أمرك عند جبار السموات والأرض, الذي أمره كلام, ونهيه كلام, وعذابه كلام, ورحمته كلام إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] .
ومهما كنت ـ أيها الإنسان ـ فلست أكبر من خلق السموات والأرض لَخَلْقُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ?لنَّاسِ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر:57] .
يقول الرسول: (( ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كما لو ألقى أحدكم درهمًا في فلاة ) ) [1] .
سبحانه وبحمده على حلمه بعد علمه، سبحانه وبحمده على عفوه بعد قدرته.
ومما يستجلب به الخوف: التفكر في الموت وشدته.
فيا أيها العاصي الذي قل خوفه من الله, أما تذكر ساعةً يعرق فيها الجبين وتخرس من فجأتها الألسن، وتقطر قطرات الأسف من الأعين، فتذَكَّرْ ذلك فالأمر شديد, وبادر بقية عمرك، فالندم بعد الموت لا يفيد. وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] .
ومنها: التفكر في القبر وعذابه وهوله وفظاعته.
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثرى، ثم قال: (( يا إخواني لمثل هذا فأعدُّوا ) ) [2] رواه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن.
ومنها: التفكر في القيامة وأهوالها.
ومنها: تفكر العبد في ذنوبه.
فإنه وإن كان قد نسيها, فإن الله تعالى قد أحصاها, وإنها إن تحط به تهلكه، فليتفكر في عقوبات الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة، ولا يغرّن المذنب نِعَمُ الله عليه, فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه, فإنما ذلك منه استدراج ) )ثم تلا قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّى? إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـ?هُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44] [3] . رواه أحمد بإسناد حسن.
[1] إسناده صحيح، أخرجه أحمد في العلل (2/132/1785) ، وابن أبي الدنيا في: الورع، باب: الورع في اللسان (76) ، والبزار في: المسند (1/163) ، وأبو نعيم في الحلية (1/33) .
[2] حسن، أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد (4195) .
[3] أخرجه أحمد بإسناد حسن (16860) .