الأسرة والمجتمع
قضايا المجتمع
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الأخوة الإيمانية. 2- الخلاف أمر طبيعي. 3- فضل الإصلاح بين الناس. 4- دعوة النبي إلى الإصلاح بقوله وفعله. 5- الإصلاح بين الزوجين. 6- الإصلاح بين الأرحام. 7- الإصلاح بين الجيران. 8- الإصلاح بين الشريكين والمتبايعين. 9- الإصلاح بين فئات المسلمين. 10- جواز الكذب لأجل الإصلاح. 11- المصلح بين الناس بماله له حق في الزكاة. 12- إصلاح الله عز وجل بين المؤمنين يوم القيامة.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، بَيْن أمة الإسلام الأخوة الإيمانية، الأخوة الصادقة، أخوة الإيمان، إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ، صلةٌ بين أمة الإسلام لا تنقطع، وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71] ، وفي الحديث: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ) [1] .
أيها المسلمون، والخلاف بين المسلمين أمر طبيعي؛ لاختلاف أخلاقهم، وتباين أفكارهم، وقوة مداركهم من ضعفها، فيقع النزاع بين الأب وأبنائه، بين الزوج وزوجته، بين الأخ وإخوانه، بين الجيران بعضهم بعضًا، بين الإنسان وشريكه في البيع، بينه وبين صديقه، وبينه وبين شريكه في التجارة، وقد يكون بينه وبين موظفيه ومَنْ تحت يده في العمل.
هذا الاختلاف يقع أحيانًا لاختلاف وجهات النظر، وربما تطوّر إلى أن تتخذ موقفًا خاصًا، وربما يكون سبب الخلاف والنزاع سعي الوشاة والنمامين، الذين يحبون أن يفرقوا بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، وبين الصاحب وصاحبه، وبين الشريك وشريكه، إلى غير ذلك؛ لأن قلوبهم المريضة تسعى بالنميمة للتفريق بين الناس.
والإسلام لم يدع هذا الخلاف يتسع نطاقه، بل سعى في تضييقه، وعلاجه، ورفعه إن أمكن، ولذا شرع الإصلاح بين الناس، وحثّ عليه، ورغّب فيه، وأخبر أنه خير ما يتناجى فيه المتناجون، سواء كان هذا الإصلاح بين الزوجين، أو بين الأفراد، أو بين المجموعة، قال تعالى: لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـ?حٍ بَيْنَ ?لنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ ?بْتَغَاء مَرْضَـ?تِ ?للَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114] .
فتأمل - أخي - قوله: لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ، فالنجوى بين الناس لا خير فيها إلا ما استثناه الله، إلا نجوى تأمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، تناجي أخاك لتأمره بالصدقة والإحسان لعباد الله، أو تأمره بالمعروف، أو تصلح بين الناس، وأن هذا الإصلاح بين الناس يكون لأجل الله، فالمصلح مخلصٌ في سعيه، يريد به وجه الله والدار الآخرة، وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ ?بْتَغَاء مَرْضَـ?تِ ?للَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114] .
أيها المسلم، ورسول الله يدعو إلى الإصلاح بين الناس بقوله وفعله.
فأما قوله فيقول: (( يصبح على كل سلامى من الناس صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين اثنين صدقة ) ) [2] ، أي تصلح بينهما، فإصلاحك بين اثنين متنازعين صدقة منك على نفسك.
ويرغب في أمر الإصلاح بين الناس، فيجعله أفضل من نوافل الصدقة، ونوافل الصيام، ونوافل الصلاة؛ لأن هذه أعمال خاصة بك، وذاك مصلحة عامة، فيقول: (( ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟! إصلاح ذات البين ) ) [3] .
ويقول لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: (( ألا أدلك على التجارة النافعة؟! تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا ) ) [4] .
وأما فعله فتقاضى كعب بن مالك من ابن حدرد دينًا عليه في مسجده ، وارتفعت أصواتهما، فخرج عليهما وقال: (( يا كعب ) )، وأشار بيده فرضي بذلك كعب [5] . وخرج ليصلح بين فئتين من الأنصار اختصمتا، فخرج فأصلح بينهما [6] .
أيها المسلم، تخلّق بخلق الإصلاح بين الناس، وكن مصلحًا بينهم على قدر استطاعتك.
فأولًا: النزاع بين الزوجين، النزاع بين الزوجين يهدِّم كيان الأسرة، وربما أدّى إلى الطلاق والفراق، وتشتت الأولاد وضياعهم، إذًا فالإصلاح بينهما مطلوب، والله يقول: وَإِنِ ?مْرَأَةٌ خَـ?فَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَ?لصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128] . فتصلح بين الزوجين، ولا سيما إن كنت من أقاربهما، فالإصلاح بينهما، والبحث عن مصدر الانشقاق والنزاع وعلاج القضية بما يدل عليه الكتاب والسنة، ويكون صلحك منفعةً للزوجين، لا تفضل أحدهما على الآخر، بل تعدل في إصلاحك بينهما، فَمَن مِنْه الخطأ والتقصير تحاول حثّه على تجنّب ذلك التقصير والخطأ حتى تقرّب وجهة الزوجين فيما بينهما. وعلى ضدّ ذلك السحرة وأعوانهم قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ?لْمَرْء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ [البقرة:102] ، وفي الحديث: (( لعن الله من خبّب امرأة على زوجها ) ) [7] ، فالمصلح بين الناس هو بخلاف أولئك، يسعى لتقريب وجهة الزوجين بعضهما مع بعض.
الإصلاح بين الأب وأولاده، قد يكون بين الأب وأولاده شيء من الاختلاف والنزاع، فلا بُدّ من إصلاحٍ بينهما، حث الأولاد على بِرّ الأب، والإحسان إلى الأب، والقيام بحقه، ثم الالتفات إلى الأب إن يكن هو سبب النزاع والشقاق حثّه على القيام بالواجب، والعدل بين الأولاد، والبعد عن ما يسبب القطيعة فيما بينهما.
الرحم، تُصلح بين الأرحام، وتوفّق بينهما، وتحاول جاهدًا أن تبذل النصيحة لكل من الرحم، وتذكّرهم صلة الرحم، وأهميتها، وأنها من واجبات الإسلام، وأنهما مما يحبه الله ويرضاه، وَ?لَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ?للَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ [الرعد:21] . فتحاول جاهدًا الإصلاح بينهم، ولذا أمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن لا يُفصَل بين الأرحام في الخصومة؛ لأن الفصل يحدث الضغائن، وقال: (اتركوا الأرحام حتى يصطلحوا) [8] .
أيها المسلم، وينشأ الخلاف بين الجيران أحيانًا، فلا بد من إصلاح بينهما، وبحث المشكلة التي سبّبت هذا النزاع، وتذكير الجيران بحق الجوار، وما أمر الله به من إكرام الجار، والنهي عن أذاه، فعسى أن يوفق في ذلك.
الشريك مع شريكه ربما اختلفَا، وَإِنَّ كَثِيرًا مّنَ ?لْخُلَطَاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ [ص:24] . فتسعى بين الشريكين، وتصلح بينهما، وتحلّ هذا النزاع وهذا الإشكال.
المتبايعان قد يختلفان، ولكن يصلح بينهما من وُفّق للخير، فيقضي على النزاع في مهده، حتى لا تقوى المشاكل وتكثر.
أيها المسلمون، الإصلاح بين فئات المسلمين مطلوب، يقول الله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ?لْمُؤْمِنِينَ ?قْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى? ?لأُخْرَى? فَقَـ?تِلُواْ ?لَّتِى تَبْغِى حَتَّى? تَفِىء إِلَى? أَمْرِ ?للَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِ?لْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] .
فالمصلح بين فئات المسلمين، يلتزم العدل في صلحه، لا ليضرّ هذا، وينفع هذا، ولكن ليقرب وجهات النظر، ويزيل الإشكال، ويحل النزاع، ويوفق بين الطائفتين.
إن الإصلاح بين الناس يسعى فيه ذوو الهمم العالية، والنفوس الطيبة التي تحب الخير للمسلمين، تحب لهم الخير، وتكره لهم الشر، أما أولئك الذين يوقدون نار الفتنة، ويفرقون بين الأحبة، ويسعون بالنميمة، ولا يدعون فرصة فيها إلحاق الأذى بالناس إلا فعلوه، فأولئك قلوبهم قلوب مريضة، وقلوب مليئة بالحقد والكراهية للإسلام وأهله.
أما المؤمنون فهم أهل إصلاح وتوفيق بين الناس، يبتغون بعملهم وجه الله، ويرجون به التقرب إلى الله.
أيها المسلم، إن المسلم يسوؤه أن يرى بين مسلمَيْن نزاعًا، وأن يرى بينهما خصومة واختلافًا، ولهذا النبي يقول: (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )قالوا: يا رسول الله، ننصر أخانا مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: (( تكفّه عن الظلم، فذاك نصرك إياه ) ) [9] .
أيها المسلم، الكذب من كبائر الذنوب، إِنَّمَا يَفْتَرِى ?لْكَذِبَ ?لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَـ?تِ ?للَّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ ?لْكَـ?ذِبُونَ [النحل:105] . ولكن مع كون الكذب هذا أمره، أبيح الكذب لأجل الإصلاح بين الناس، فإذا لم يكن وسيلة سوى الكذب في التقريب بين المسلمين، جاز استعمال الكذب لأجل الإصلاح، يقول: (( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا ) ) [10] .
وفي حديث أم كلثوم أنها قالت: (لم يرخّص النبي فيما يقول الناس إلا في ثلاثة: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها) [11] ، فهذه خصالٌ الكذب فيها مباح لأنه يُتوصل به إلى الخير.
أيها المسلم، المصلح بين الناس يُعطى من الزكاة، وجعل له نصيب من الزكاة، فإن الله يقول في المستحقين الزكاة: إِنَّمَا ?لصَّدَقَـ?تُ لِلْفُقَرَاء وَ?لْمَسَـ?كِينِ وَ?لْعَـ?مِلِينَ عَلَيْهَا وَ?لْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ?لرّقَابِ وَ?لْغَـ?رِمِينَ [التوبة:60] ، فالغارمون لهم نصيب من الزكاة، من غرم لأجل مصلحة الآخرين، وتحمّل ديونًا لأجل التوفيق والإصلاح بين الفئات المتنازعة، فإن ديونه التي تحمّلها تُقضى من الزكاة ولو كان غنيًا، لأنه بذلها في مصلحة عامة للأمة، ولذا قال الله: وَ?لْغَـ?رِمِينَ أي ويعطى الغارمون من الزكاة، لأجل ما غرموا وتحمّلوا لأجل مصلحة الإصلاح بين الناس.
فكن - أخي المسلم - ساعيًا للإصلاح، فلعلك أن توفق وتردأ الصدع، وتحقق المودة بين الأمة، فتفوز بالخير.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في الأدب [6011] ، ومسلم في البر [2586] من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري في الصلح [2707] ، ومسلم في الزكاة [1009] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[3] أخرجه أحمد [27508] ، وأبو داود في الأدب [4919] ، والترمذي في صفة القيامة [2509] من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وقال:"حديث صحيح". وصححه ابن حبان [5092] ، والبزار كما في نصب الراية (4/354) ، وابن حجر كما في فيض القدير (3/106) ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني على شرط الشيخين، انظر: غاية المرام [414] .
[4] أخرجه البزار (2/441 ـ كشف الأستار ـ) من حديث أنس، وقال:"لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدّث به عن حميد إلا عبد الله بن عمر، ولا عنه إلا ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن ليّن الحديث، حدّث بأحاديث لم يتابع عليها"، وقال الهيثمي:"رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري وهو متروك"، وأخرجه أبو داود الطيالسي (1/81) من حديث أبي أيوب، والطبراني في الكبير (8/227) من حديث أبي أمامة بنحوه.
[5] القصة أخرجها البخاري في الصلاة، باب: رفع الصوت في المساجد (2471) ، ومسلم في المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين (1558) ، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.
[6] كما حصل في قصة اليهودي شاس بن قيس لما مرّ على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج وهم في مجلس قد جمهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من اجتماعهم، وألفتهم بعد الإسلام، فأمر شابًا من يهود وقال له: اعمد إليهم، وذكّرهم يوم بعاث.. القصة، أخرجها ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام (2/204) وقال: حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: مر شاس... القصة، وهو مرسل، وفيه رجل مبهم، وأخرجها الطبراني (4/16) من طريق ابن إسحاق.
[7] أخرجه أحمد (2/397) ، وأبو داود في: الطلاق، باب: فيمن خبب امرأة على زوجها (2175) ، والحاكم (2/214) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: (( ليس منا ) )، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وأخرجه أبو يعلى (4/303-2413) ، والطبراني في الأوسط (2/223-1803) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال المنذري في الترغيب (3/59) :"ورواة أبي يعلى كلهم ثقات"، وقال الهيثمي في المجمع (5/265) :"ورجال أبي يعلى ثقات"، وصححه ابن حبان (12/430-556 ـ الإحسان ـ) .
[8] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/303) ، وابن أبي شيبة (4/534) بلفظ: (ردوا الخصوم حتى يصطلحوا) ، وضعفه ابن حزم في المحلى (8/164) .
[9] أخرجه الترمذي في الفتن، باب: ما جاء في النهي عن سب الرياح (2255) من حديث أنس رضي الله عنه وقال:"هذا حديث حسن صحيح". والحديث أصله في البخاري كتاب المظالم والغصب، باب: أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (2444) .
[10] أخرجه البخاري في الصلح ، باب: الكاذب الذي يصلح بين الناس (2692) ، ومسلم في البر ، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه (2605) من حديث أم كلثوم رضي الله عنها.
[11] كلام أم كلثوم هذا قالته بعد روايتها للحديث السابق كما في صحيح مسلم ، وقد جعله بعضهم من كلام الزهري.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، الله جل وعلا يصلح بين المؤمنين يوم القيامة، فيعطي صاحب الحق من الثواب ما تطيب به نفسه، فيعفو عن أخيه الظالم له، يُروى أنه كان جالسًا بين أصحابه، فضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (( اثنان من أمتي جثيا بين يدي الله عز وجل، فقال أحدهما: يا رب ؛ مُر هذا فليرد علي مظلمتي، فيقول الآخر: يا رب وقد ذهبت حسناتي، فيقول المظلوم: يا رب حمّله من سيئاتي، فيقول الله للمظلوم: ارفع رأسك، فيرى مدائن من فضة، وقصرًا من ذهب موشحًا باللؤلؤ، فيقول: يا رب لمن ذا؟ ألنبي أم لصديق أم ماذا؟ قال: مَنْ ملك ثمنَه، قال: يا رب وما ثمنه؟ قال: تملكه؟! قال: يا رب وما هو؟ قال: تعفو عمن ظلمك، قال: يا رب عفوت عنه، قال: فأخذ بيده، فأدخل الجنة، فبكى النبي ، وقال: إن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة، فأصلحوا بين المسلمين في الدنيا ) ) [1] ، إن ذلك ثواب المصلحين بين الناس، ثواب من عفا عن مظلمة.
فالإصلاح بين المسلمين مطلوب، فربنا يصلح بين عباده، فإذًا فالمسلم يصلح بين إخوانه المسلمين، ويسعى جاهدًا في تحقيق هذا، هكذا النفوس الطيبة، والنفوس الأبية التي تحب الخير، وتسعى إليه، وأما ضدهم فيقول فيهم: (( فشر عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الحبة، الباغون للبرآء العنت ) ) [2] .
واعلموا رحمكم الله أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد...
[1] أخرجه الحاكم (4/620) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"وقال الذهبي:"عباد ضعيف، وشيخه لا يعرف".
[2] أخرجه أحمد (4/227) من حديث عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه، وحسنه الألباني في غاية المرام (434) .