الإيمان
صالح الجبري
الطائف
جامع الحمودي
1-عالم الشهادة وعالم الغيب وسبيل إدراك كل منهما. 2- الصفات الخلقية للملائكة. 3 - معلومات عن الملائكة وعددهم وسرعتهم وأسمائهم. 4 - مهمات الملائكة.
أما بعد:
هناك أمر هام لابد من توضيحه أولًا وهو أن العوالم في التصور الإسلامي تنحصر في دائرتين.
فأما الدائرة الأولى فإنها تشمل عالم الشهادة، وهو العالم الذي يقع تحت الحواس فما نشاهده من أرض وسماء، وجبال ووديان، وبحار وأنهار، ونبات وأنعام، فهو من عالم الشهادة، كذلك مما نسمعه من أصوات، ونشمه من روائح، ونتذوقه باللسان ونلمسه باليد، هذا أيضًا داخل في عالم المحسوسات.
أما الدائرة الثانية فإنها تشمل عالم الغيب، وهو الذي لا يدرك بالحواس ومن هذه العوالم الغيبية، عالم الملائكة وعالم الجن والشياطين، وحقائق يوم القيامة من حساب وصراط وجنة ونار، كل هذه عوالم غيبية لا يستطيع الإنسان أن يدركوها بواحدة من الحواس التي وهبهم الله إياها.
وخير سبيل للإيمان بهذه العوالم الغيبية، هو اتباع سبيل القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فما جاء فيهما من هذه الأمور فإن علينا عندئذ أن نؤمن ونقول: آمنا وصدقنا، لماذا لأنها أتت من عند الله العظيم الذي وصف نفسه بأنه عالم الغيب والشهادة بقوله هُوَ ?للَّهُ ?لَّذِى لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ هُوَ ?لرَّحْمَـ?نُ ?لرَّحِيمُ [الحشر: 22] .
وخير من يخبرنا عنها هو الله الذي خلقها لأنه يعلم وحده حقيقتها ووجودها. إضافة إلى ما ورد عن رسول الله في ذلك فإن علينا تصديقه أيضًا، لماذا لأن الله تعالى أمرنا بذلك وبين لنا أنه لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى? [النجم: 4]
والإيمان بالملائكة واجب لا يتم إيمان المسلم إلا به، ومجمل الإيمان بالملائكة الاعتقاد بأن الله تعالى خلق عالمًا أسماه الملائكة. والأدلة على وجود هذا العالم ثابتة وكثيرة جدًا، فمن القرآن الكريم مثلًا قول الله تعالى ءامَنَ ?لرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَ?لْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285] .
وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة، منها حديث وصف الملائكة وأنهم خلقوا من أجسام نورانية فعند الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت قال: (( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ) ).
ومن صفاتهم أيضًا أنهم عظيمو الخلق. فقد قال الله تعالى في ملائكة النار يأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم 6] .
وكمثال على ذلك أيضًا عند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: رأى رسول الله جبريل عليه السلام في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق من جناحه من التهاويل (الأشياء المختلفة الألوان) والدر والياقوت ما الله به عليم )) ، قال ابن كثير: إسناده جيد (البداية والنهاية) وعند الترمذي أنه قال في جبريل رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظيم خلق ما بين السماء والأرض وعند أبي داود عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال (( أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام ) ).
ومن أوصافهم أن لهم أجنحة كما أخبرنا الله فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أو أربعة ومنهم من له أكثر من ذلك ?لْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ جَاعِلِ ?لْمَلَـ?ئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى? وَثُلَـ?ثَ وَرُبَـ?عَ يَزِيدُ فِى ?لْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلّ شَىْء قَدِيرٌ [فاطر: 1] .
ومن صفاتهم أنهم لا يشبهون البشر ولا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يملون ولا يتعبون كما قال الله فيهم يُسَبّحُونَ ?لْلَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] .
ومن صفاتهم أنهم كرام بررة كرام برره ولديهم القدرة من عند الله على أن يتشكلوا بغير أشكالهم، فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر ففزعت وقالت إِنّى أَعُوذُ بِ?لرَّحْمَـ?نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غُلَـ?مًا زَكِيًّا [مريم: 18ـ 19] . ومن صفاتهم عظم سرعتهم، فأعظم سرعة نعرفها هي سرعة الضوء فهو ينطلق عبر... 186 ألف ميل في الثانية الواحدة.
أما سرعة الملائكة فهي فوق ذلك بل هي سرعة لا تقاس بمقاس البشر. لأن السائل كان يأتي إلى الرسول فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتيه جبريل بالجواب من الله سبحانه وتعالى.
ومن صفاتهم أنهم لديهم القدرة من الله في إنزال العذاب بالكفار والمنافقين، وكمثال على ذلك قوم لوط، قال الله تعالى فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـ?لِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ?لظَّـ?لِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود 82-83] .
قال ابن كثير: قال مجاهد أخذ جبريل قوم لوط من ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها، وكان حملهم على طرف جناحه الأيمن ورغم هذه القوة الرهيبة إلا أنهم الله ويخافون منه يَخَـ?فُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50] .
وأما منازلهم ومساكنهم فهي السماء كما قال تعالى تَكَادُ ?لسَّمَـ?و?تُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ [الشورى: 5] .
وأما عددهم فلا يعلمه إلا الله وكمثال له استمعوا لما قاله رسول الله عند البخاري ومسلم عن البيت المعمور الذي في السماء السابعة (( فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر عليهم ) ). وهناك غيرهم كثير ففي حديث الترمذي وابن ماجه (( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع إلا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى ) ).
وأما أسماؤهم فلا نعرف منهم إلا القليل منهم مثلًا:جبريل وميكائيل: قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ ?للَّهِ مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـ?لَ فَإِنَّ ?للَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـ?فِرِينَ [البقرة: 97، 98] .
وجبريل هو الروح الأمين ورسول رب العالمين إلى الأنبياء والمرسلين، وميكال مكلف بالمطر والنبات, ومنهم إسرافيل وهو ملك عظيم الخشية لله، روى الترمذي وصح.. أنه قال: (( إن الله خلق إسرافيل منذ يوم خلقه صافًا قدميه، لا يرفع بصره من خشية الله تبارك وتعالى، وهو المكلف بالنفخ في الصور وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَن فِى ?لأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ?للَّهُ [الزمر: 68] .
ومنهم ملك الموت:
وهو مكلف بقبض أرواح بني آدم قُلْ يَتَوَفَّـ?كُم مَّلَكُ ?لْمَوْتِ ?لَّذِى وُكّلَ بِكُمْ [السجدة: 11] .
وله أعوان يساعدونه في ذلك فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ?لْمَلَـ?ئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـ?رَهُمْ [محمد: 127] .
ومنهم مالك خازن النار:قال تعالى وَنَادَوْاْ ي?مَـ?لِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـ?كِثُونَ [الزخرف: 77] .
وهناك رضوان خازن الجنة.
وهناك منكر ونكير الملكان اللذان يسألان الناس في القبور.
وهنا قد يتساءل سائل ويقول:ما هي علاقة الملائكة ببني آدم؟ فالجواب هو أن العلاقة وثيقة مترابطة بدأت منذ أن أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم، وأثمرت بأمر الله لهم أيضًا بتبليغ وحي الله إلى رسله وأنبيائه.
ولهم دور أيضًا يبدأ في تكوين الإنسان منذ أول لحظة، فعند الإمام مسلم عن أبي ذر قال سمعت رسول الله يقول: (( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة، بعث الله تعالى إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال:أي رب:ذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ) ).
حسنًا:هل سينتهي دورهم عند هذا، لا فإن الله يكلفهم بحراسة ابن آدم بقية حياته قال تعالى لَهُ مُعَقّبَـ?تٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ?للَّهِ [الرعد:11] .
قال ابن عباس المعقبات هم الملائكة الذين يحفظونه حتى يأتي أمر الله قال مجاهد: (ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه، فيصيبه) .
والملائكة أيضًا مكلفون بحفظ أعمال بني آدم وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـ?فِظِينَ كِرَامًا كَـ?تِبِينَ [الإنفطار: 10، 11] .
ووكل الله بكل إنسان ملكين حاضرين لا يفارقانه يحصيان عليه أعماله وأقواله وَلَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ?لْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ?لْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ?لْيَمِينِ وَعَنِ ?لشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. [ق:16ـ 18] .
ومعنى قَعِيدٌ أي مترصد. ورَقِيبٌ عَتِيدٌ: مراقب مستعد لذلك، لا يترك كلمة تفلت، يقول ابن عباس: (يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه يكتب قوله:"أكلت شربت، ذهبت، جئت، رأيت"وهكذا.
هذا ومن تكلم بخير فيحمد الله، ولن يجد إلا خيرًا ومن تكلم بغير ذلك فهناك فرصة له في الدنيا لأن الرسول يقول والحديث في صحيح الجامع (2/212) : (( أن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتب واحدة ) ).
فإن لم يتدارك نفسه فلن يكون حاله بعيدًا عن الذي سيقول يوم القيامة ي?وَيْلَتَنَا مَا لِهَـ?ذَا ?لْكِتَـ?بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [الكهف: 49] .
أخيرًا بعض الملائكة مكلفون بتحريك بواعث الخير في نفوس العباد. فقد وكل الله بكل إنسان قرينًا من الملائكة، وقرينًا من الجن فعند الإمام مسلم عن ابن مسعود قال: قال: (( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ) )قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (( وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير ) ).
ويتنافس القرينان من الملائكة ومن الجن على الإنسان، هذا يأمر بالخير ويرغبه فيه، وذلك يأمره بالشر ويرغبه. لهذا يقول عند النسائي والترمذي عن ابن مسعود قال: (إن للشيطان لمة بابن آدم(الإصابة بالوسوسة) وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاذ بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك فليعلم أنه من الله وليحمد الله. ومن وجد الأخرى فليعوذ بالله من الشيطان الرجيم )) .
?لشَّيْطَـ?نُ يَعِدُكُمُ ?لْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِ?لْفَحْشَاء وَ?للَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلًا وَ?للَّهُ و?سِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 268] .
تحدثنا عن علاقة الملائكة ببني آدم بشكل عام لكن هنا لابد من التوضيح لعلاقتهم المباشرة بالمؤمنين من جهة أو بالكفار والمنافقين والعصاة من جهة أخرى.
فأما مع المؤمنين فإنهم يحبون الصالحين كما قال عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (( إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدًا نادى جبريل:إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل. ثم ينادي جبريل في السماء:إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض ) ).
والملائكة يصلون على المؤمنين هُوَ ?لَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ وَكَانَ بِ?لْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: 43] .
ومعنى الصلاة على المؤمنين الدعاء لهم والاستغفار لهم، فمن منا غني عن هذا الفضل العظيم، لاشك أننا كلنا نريد ذلك. لكن السؤال من هم الذين يستحقون هذا الفضل العظيم العجيب.
هل هم العصاة، المرابون، الزنا، شاربو الخمر والمخدرات، مضيعو الصلوات وصلوات الجماعة، هل هم الذين يعلمون الناس الفساد والتمرد على حدود الله.
المستهزئون بالدين وأهله؟ لا. تعالوا بنا نستعرض بعض الذين يستحقون هذه النعم العظيمة.
في صحيح الجامع وعند الطبراني والترمذي عن أبي أمامة أنه قال:إن الله وملائكته، حتى النملة من جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير، (صحيح الجامع2/ 133) .
أيضًا الذي لايفرط في صلاة الجماعة ويحافظ عليها تصلي عليه الملائكة، عند مسلم أنه قال: (( إن الملائكة تصلي على الذي يأتي المسجد للصلاة فتقول:اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه ) )وأيضًا الذين يصلون في الصف الأول، ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن البراء قال: قال: (( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ) ). [صحيح الجامع2/133] .
أيضًا: الذين يجلسون في مصلاهم بعد الصلاة، أبو داود عن أبي هريرة قال: قال: (( الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث أو يقم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ) ) [صحيح الجامع 6/21] .
وأيضًا الذين يسدون الفرج بين الصفوف فعند ابن ماجه عن عائشة أنه قال: (( إن الله تعالى وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة ) ) [صحيح الجامع 2/135] .
أيضًا الذين يصلون على النبي فقد روى الإمام أحمد عن عامر بن ربيعة أن رسول الله قال: (( ما من عبد يصلي عليّ إلا صلت عليه الملائكة، ما دام يصلي علي، فليقل العبد من ذلك أو ليكثر ) ) [صحيح الجامع: 5/174] .
أيضًا الذين يزورون المرضى فعن جابر.. أنه قال: (( ما من امرئ مسلم يعود مسلمًا إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك، يصلون عليه في أي ساعات النهار كان حتى يمسي، وأي ساعات الليل كان حتى يصبح ) ) [صحيح الجامع 5/115] .
ولنعلم أيها الأخوة أن صلاة الملائكة علينا لها تأثير في هدايتنا وإخراجنا من ظلمات المعاصي والشرك والذنوب إلى النور الذي يحتاجه كل منا، لقد قال الله هُوَ ?لَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ.
كذلك الملائكة يؤمنون على دعاء المؤمنين، وبذلك يكون الدعاء أقرب إلى الإجابة، لهذا يقول فيما رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء:قال: (( دعوة المرء مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك يؤمن كل دعائه، كلما دعا له بخير قال: آمين، ولك بمثله ) ).
كذلك الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، وهذا واضح في قول الله وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ?لأرْضِ أَلاَ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [الشورى: 5] .
وهم يبحثون عن المؤمنين في مجالس الذكر حتى يحضروا معهم فعند الإمام مسلم عن أبي هريرة قال قال: (( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) ).
وهناك من الملائكة من يبحث عن المؤمنين الذين يحضرون صلاتي العصر والفجر مع الجماعة ويسجلون أسماءهم ويصعدون بها إلى السماء. روى البخاري عن أبي هريرة قال: (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر والفجر، ثم يعرض الذين يأتو باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ) ).
وهم يقاتلون مع الذي الذين آمنوا إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ?لْمَلَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لرُّعْبَ فَ?ضْرِبُواْ فَوْقَ ?لاعْنَـ?قِ وَ?ضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال: 12] .
ولهم أعمال أخرى مع المؤمنين لا يتسع المجال لذكرها الآن.
المهم أيها الأخوة إن متابعة الملائكة فيما أمر الله ورسوله لن تأتي إلا بخير للإنسان. فمثلًا عند البخاري (إذا قال الإمام: آمين، فإن الملائكة تقول في السماء: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) .
وعند البخاري أيضًا عن أبي هريرة أنه قال: (( إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) )لهذا علينا أن نؤمن بالملائكة أيها الأخوة وأن نوقرهم ونحترمهم ونحبهم وأن نبتعد عما يؤذيهم، وأكثر ما يؤذيهم هو فعل المعاصي والذنوب:لهذا الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة، أو تمثال أو جنب أو سكران كما اتضح في أحاديث كثيرة منها قوله: (( لا يدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ) ) [1] .
ويتأذون مما يتأذى منه بني آدم من الروائح الكريهة والأقذار فعند البخاري ومسلم أنه قال: (( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) ). وهكذا.
أما موقفهم من الكفرة فهو لعنهم كما قال الله إِن ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ?للَّهِ وَ?لْمَلئِكَةِ وَ?لنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 161] .
أو قد يؤمرون بإنزال العذاب بهم كما ورد في قوم لوط وغيرهم.
والملائكة لا تلعن الكفرة فقط بل قد تلعن من يفعل ذنوبًا معينة حتى وإن كان من المسلمين كما عند البخاري قوله: (( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ) ).
كذلك عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال: (( من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه ) ).
كذلك الذين يحدثون في دين الله ويخرجون على أحكامه ويحولون دون تطبيق شرع الله تلعنهم الملائكة كما قال: (( من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) ) [صحيح الجامع 6/8] وغير ذلك كثير.
وأعتقد أيها الأخوة أن ما قلته قد يكون كافيًا لنا جميعًا في معرفة هذا الركن العظيم من أركان الإيمان الذي نحن مطالبون به وبتطبيقه وأسأل الله أن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم.
[1] أخرجه أبو داود [227، 4152] ، والنسائي [261، 4281] ، وأحمد [633] ، والدارمي [2663] من طريق عبد الله بن نجي عن أبيه عن علي بن أبي طالبت، وصححه ابن حبان (4/5) والحاكم (1/278) ووافقه الذهبي وحسنه المقدسي في المختارة (2/372) وابن كثير في تفسيره (3/77) .
وهو منكر بهذا اللفظ، وثبت عن جمع من الصحابة في الصحيحين وغيرهما من غير ذكر الجنب، وعبد الله بن نجي مجهول كما في الميزان (7/18) ؛ ولذا قال البخاري عن الحديث: (فيه نظر) .
وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب [131، 1796] .