فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 5777

المسؤولية والضمير

الإيمان

الجن والشياطين

إسماعيل الخطيب

تطوان

الحسن الثاني

أما بعد:

يقول ربنا سبحانه وتعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون.

عباد الله: كل واحد منا يتحمل مسؤولية يُسأل عنها في الدنيا والآخرة. كل فرد مسؤول عن تصرفاته وأعماله، قال تعالى: ولتُسألُن عما كنتم تعملون. مسؤول عن أقواله، قال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد والإنسان مسؤول أمام الله تعالى الذي أمره بالعمل وأخبره أن عمله لا يخفى على الله ولا على الناس، فالله تعالى لا تخفى عليه خافية، قال سبحانه: يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور أي يعلم مسارقة النظر، وما تستره الضمائر، كما أن الله تعالى يُظهر عمله للناس، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كُوَّة لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان ) )فكم من المؤمنين الصادقين يُخفون عملهم عن الناس كقيام الليل، والصدقة والإحسان، لكنهم لا يلبثون أن يشتهروا بذلك.

وكذلك الأمر بالنسبة لأصحاب المعاصي، فكم من صاحب معصية حاول إخفاءها خوفًا من الناس لا من الله، لكنه لم يلبث أن افتضح بها. والإنسان ليس مسؤولًا أمام الله وأمام الناس فقط، بل هو مسؤول أيضًا أمام ضميره، قال تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون.

فضمير المؤمن يؤنبه ويلومه إن فعل فاحشة وهي الكبيرة، أو ظلم نفسه وهي الصغيرة، فيتذكر نهي الله وعقابه، وعظمته وجلاله، فيبادر إلى التوبة والاستغفار، فالقرآن يضعنا أمام سلطة ثلاثية-كأنه يقول لنا: انظروا في أنفسكم تجدوا محكمة، وانظروا حولكم تجدوا محكمة، وانظروا فوقكم تجدوا محكمة، محكمة الضمير في قلوبكم، ومحكمة البشر من حولكم، ومحكمة السماء من فوقكم، ولكل واحدة منها أمانة في أعناقكم ستحاسبون عليها.

هذه الحقيقة ينبغي أن يضعها كل راعٍ أمام عينيه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية في بيت بعلها وولدها وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) )ومعنى الراعي الحافظ المؤتمن وهؤلاء كلهم استووا في الاسم، لكن المسؤولية اختلفت والإنسان تكون مسؤوليته بقدر السلطة التي يتولاها، وإنك لتعجب ـ وحق لك أن تعجب ـ من الناس وهم يهنئون مسؤولًا على مهمة كبيرة تولاها، مع العلم أن هذه لوظائف لا تُعطي لصاحبها ميزة على غيره من الناس، بل هي على العكس من ذلك تزيد من مسؤوليته أمام الله تعالى وأمام الناس.

هذا أبو ذر الغفاري يطلب من النبي أن يوليه إمارة، فيقول له: (( يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة لخزي وندامة إلا من أخذها بحقها ووفى الذي عليه فيها ) )فالذي يتولى أمور الناس ينبغي أن تكون فيه قوة ليقف في وجه المفسدين الأقوياء، وليؤدي حق الضعفاء، وليعمل ما ينبغي من خدمة الصالح العام.

والإسلام ينظر للإنسان أنه كلما علت منزلته في المجتمع، كلما كان ذلك سببًا في زيادة مسؤوليته وتشديد حسابه، ها هو القرآن الحكيم يذكر مسؤولية نساء النبي ويأمرهن بمداومة الطاعة وبعدم إلانة القول عند مخاطبة الرجال وبالاستقرار في بيوتهن وبعدم التبرج وبإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وبطاعة الله ورسوله، ويبين لهن أن الجزاء في حقهن مضاعف، قال تعالى: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرًا.

عباد الله: إن الإسلام بيَّن ما ينبغي أن يكون عليه حالُ من يلي أمور الناس، فالموظف في أية إدارة مسؤول كأي فرد، ومسؤول كذلك عن مدى إخلاصه في عمله وقيامه بالواجب وفي مقدمة ذلك الإحسان إلى الناس، فنبينا عليه الصلاة والسلام دعا ربه فقال: (( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ) )فالمسوؤل الذي يُوقع الناس في المشقة بالإساءة إليهم ومنعهم من حقوقهم وتحميلهم ما لا يطيقون يستحق غضب الله تعالى وعقابه.

وقد جاء الوعيد الشديد لذاك المسؤول الذي يمتنع من استقبال الناس، وبالتالي تضييع حقوقهم، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (( من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره ) )، وليفكر أي مسؤول في حاله إذا عزل أو أحيل على التقاعد، وقد أشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى هذا المصير بقوله: (( إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة ) ). فالمتولي لمناصب المسؤولية ومنها الإمارة كالطفل الرضيع ينتفع بما يصل إليه من منافع وملذات، فإذا عزل أو تقاعد أو مات صار يتألم ويتحسر ويبكي كالطفل الذي يمنع من الرضاع. فالسعيد من المسؤولين من نصح وأخلص، ورفق بالناس، ويسر وبشر. فكان بذلك جديرًا برحمة الله وعفوه ورضاه.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت