فهرس الكتاب

الصفحة 1535 من 5777

الصبر

الرقاق والأخلاق والآداب

مكارم الأخلاق

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-الحث على الصبر. 2- أنواع الصبر. 3- الصبر يرفع لمقام الأنبياء. 4- الصبر من

موجبات الجنة. 5- حالات الإنسان في السراء والضراء.

قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. وقال تعالى: استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين.

وجاء في الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفذ ما عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: (( ما يكن من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر ) ).

أيها الإخوة: إن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له ومن يتصبر، أي يحبس نفسه ويلزمها بالصبر، يصبره الله فيعينه على الصبر والصبر أنواعه ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله، فالنوع الأول: وهو الصبر على طاعة الله، من صيام وحج وزكاة وجهاد في سبيل الله وغيرها من الطاعات، لأن النفس البشرية قد تكسل ويدخلها شيء من التسويف، لأن الطاعات ثقيلة عليها سواء من الناحية البدنية أو المالية، فتحتاج إلى معاناة ومجاهدة ومصابرة حتى تقوم بأمر الله، وهنا يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم، وبين ذوي الضعف والخور. وأما النوع الثاني وهو الصبر عن محارم الله بحيث يكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه لأن النفس أمارة بالسوء، فيجاهدها ويمنعها من الوقوع في الكذب والغش وأكل المال بالباطل وإيذاء المسلمين والوقوع في أعراضهم وارتكاب الفواحش والوقوع في البدع وما أشبه ذلك من المعاصي والمنكرات فيحبس الإنسان نفسه حتى لا يفعلها، وهذا أيضًا يحتاج إلى معاناة وصبر.

وأما النوع الثالث: فهو الصبر على أقدار الله حيث قد يبتلى الإنسان في بدنه وماله أو أهله وأقاربه، أو يبتلى في إخوانه وجيرانه وعشيرته ومجتمعه، فهذه البلايا الكثيرة قد يصاب بها المسلم أو يصاب بشيء منها، فإذا علم أن هذا من قدر الله وأنها قد تكون بسبب منا وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكُم ويعفو عن كثير ، وصبر على ما أصابه محتسبًا الأجر من عند الله فإنه ينال بذلك درجة عالية عند ربه، وهذا الصبر أيضًا يحتاج إلى قوة عزيمة وإيمان يملأ القلب ومجاهدة للهوى والشيطان.

أيها الإخوة: إن الصبر من مقام الأنبياء والمرسلين والأصفياء المتقين الذين هم عباد الرحمن: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا.

قال تعالى عن أهل الجنة: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

أيها الإخوة: إن فعل الطاعات وأداء العبادات وترك المنكرات والبعد عن المحرمات والقيام بكل أمر يحبه الله ويرضاه واجتناب كل أمر يبغضه الله ولا يرضاه، تحتاج إلى صبر ومصابرة ومرابطة، ولذلك يجب على المسلم أن يروض نفسه ويعودها على ذلك، فإن جلس المسلم لحفظ القرآن أو طلب العلم أو أراد أن يقوم جزءًا من الليل أو ينفق جزءًا من ماله في سبيل الله أو إن أراد الشاب الالتزام بالدين والمحافظة على الصلاة واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيه فإن كلًا من هؤلاء سيجد المثبطات سواء من الشيطان أو الهوى أو من وسائل الإعلام أو من بعض أفراد المجتمع، أو غير ذلك من الأمور التي تتعرض لها أمة الإسلام ويتعرض لها المسلمون من الصد عن سبيل الله، ولكن بتعويد النفس شيئًا فشيئًا وتربيتها على الصبر وحبسها على الطاعة ومصاحبة الأخيار وملازمة الصالحين والبعد عن الأشرار تقوي لنفوس وتصمد أمام التيارات بإذن الله فلا تتأثر بعد ذلك بأي ريح تهب عليها لتميلها عن الجادة وعن الصواب.

عن حباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا. ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعلُ فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) )رواه البخاري.

أيها الإخوة: إن للصبر أجر عظيم إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة ) )رواه الترمذي.

عن أنس رضي الله عنه قال. قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخطُ ) )رواه الترمذي.

ربنا افرغ علينا صبرًا وألحقنا بالصالحين. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي قال: (( إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ) )فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. متفق عليه.

وأيضًا في الحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما يُصيبُ المسلم من نصبٍ ولا وصب ولا هم ولا حَزنَ ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر اللهُ بها من خطاياه ) ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم أحتسبه إلا الجنة ) )رواه البخاري.

أيها الإخوة: إن كل إنسان لا يخلو من إحدى حالين إما سراء وإما ضراء ففي حال السراء يجب عليه الشكر، وليعلم المسلم أن هذه السراء بفضل من الله عليه لا هي بذكائه ولا بفطنته ولا بقوته، ولولا لطف الله به وتيسيره لما حصلت له تلك النعمة، ثم يقوم بطاعة الله مع الاعتراف بالقلب واعتراف باللسان وعمل بالجوارح شكرًا لله على هذه السراء.

وأما في حالة الضراء فالإنسان له أربع حالات: التسخط، أو الرضى، والصبر، والشكر، فالتسخط يكون بالقلب بأن يشعر وكأنه والعياذ بالله قد ظلمه ربه بهذه المصيبة، أو باللسان فيكون بالاعتراض والدعاء بالويل والثبور وسب الدهر والزمان فيؤذي الله بذلك والعياذ بالله، وقد يكون التسخط بالجوارح بلطم الخدود وشق الجيوب فأمثال هؤلاء الناس جمعوا بين مصيبتين مصيبة الدين ومصيبة الدنيا بما أصابهم من ضراء نسأل الله العافية.

والحالة الثانية: الرضى بأن يكون المسلم منشرحًا صدره بما أصابه ويرضى بها رضى تامًا وكأنه لم يصب بها مستيقنًا أن في ذلك حكمة لا يعلمها، وأن الله قد قدر ذلك، فهو راض بما قدر الله عز وجل. وأما حالة الصبر على الضراء أو على المصيبة التي أصابته، بأن يحبس نفسه وهو يكره المصيبة ولا يحبها ولا يحب أن تقع، لكن يصبر نفسه ولا يتسخط ولا يفعل ما يغضب الله فهو صابر مع كرهه لها.

الحالة الرابعة: الشكر، وهذه بأن يقول: الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.. لقد جرح إصبع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( هل أنت إلا إصبعًا دميت وفي سبيل الله ما لقيت ) ).

قال الله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

وإذا ما أصيب المسلم بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرّني في مصيبتي وأخْلِف لي خيرًا منها إلا أَجَرَه الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها.

أيها الإخوة: وفي حالة الكرب أو الهم والحزن يلتجئ العبد المسلم إلى الله ويدعوه بالأدعية الثابتة الصحيحة التي منها (لا إله إلا الله) يرددها وكذلك قول: (( اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن يجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي ) ).

وكذلك قول: (( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) ).

وأيضًا: دعاء ذي النون عليه السلام: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت