الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
التوبة, الصلاة
محمد الداه بن أحمد الشنقيطي
نواكشوط
جامع الشرفاء (جامع القرآن)
1-الحث على التوبة والحرص عليها وأهمية العمل بالطاعات وترك المعاصي. 2- الحث على
الاستعداد ليوم المعاد. 3- الحث على الصلاة ووجوب المحافظة عليها. 4- الحث على الزكاة
والصوم والحج وبيان حكمها وفضلها.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ومراقبته في السر والعلانية وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر.
عباد الله: هذا شهر رمضان تولى وانسلخ بما فيه، شاهدًا مصدقًا على المحسن بإحسانه وعلى المسيء بإساءته، فعلى من منَّ الله عليه بالتوفيق فيه وتاب إلى الله وأناب وصام وقام أن يحافظ على هذه الدرجة الطيبة ويزداد في الخيرات، فطوبى له هذا العيد السعيد الذي يباهي الله به ملائكته، ويشهدهم أنه غفر لعبده في هذا اليوم الجوائزي، وعلى المسيء الذي فرط في موسم خصب لا يعوَّض أن يتوب إلى الله ويبادر، فإن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر.
ولتعلموا - عباد الله - أن الله تعالى قدر لكل امرئ أجلًا لا يتجاوزه ولا يعدوه، بل عندما تقف دقات قلبه وينزع روحه من جسده، وإذ ذاك لا ينفعه حسب ولا نسب ولا ذرية، ولكنه العمل، فإنه مسعده أو مشقيه فَأَمَّا مَن طَغَى? وَءاثَرَ ?لْحَيَو?ةَ ?لدُّنْيَا فَإِنَّ ?لْجَحِيمَ هِىَ ?لْمَأوَى? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ?لنَّفْسَ عَنِ ?لْهَوَى? فَإِنَّ ?لْجَنَّةَ هِىَ ?لْمَأْوَى? [النازعات:37-41] . إن صالح العمل هو الذي ينجيك من بأس الله وهو الذي يكون لك أنيسًا في ظلمة القبر، عندما توضع داخل الأرض في صحراء مقفرة ويولي عنك أهلك ومالك.
عباد الله، أيها الناس: فمن زرع في هذه الدار الذنوب والآثام أثمرت له شوكًا وضريعًا ومُهلًًا وزقومًا: إِنَّ شَجَرَةَ ?لزَّقُّومِ طَعَامُ ?لأَثِيمِ كَ?لْمُهْلِ يَغْلِى فِى ?لْبُطُونِ كَغَلْىِ ?لْحَمِيمِ [الدخان:43-46] ، ومن زرع الأعمال الصالحة والكلمات الطيبة جنى ثمرات طيبة ناضجة، ونعيمًا مقيمًا وشرابًا مريئًا: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى? ?لأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـ?لُهَا وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا [الإنسان:12-14] . فماذا أعددتم لهول يوم عظيم؟ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ?للَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89] . فخبروني ماذا زرعتم وماذا قدمتم من عمل صالح؟ أجيبوا أنفسكم.
فاستعدوا - عباد الله - لحياة لا تنفد، ونعيم لا يبرح، وتذكروا قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الحمد لله ضمن السعادة في الدنيا والآخرة لمن آمن وعمل الأعمال الصالحة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، هدى الناس إلى صراط مستقيم، من سلكه فاز بالعز والنعيم المقيم، ومن حاد عنه ذات الشمال وذات اليمين رمي به في سوء الجحيم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فيا عباد الله: تمسكوا بدينكم وتفقهوا في كتاب ربكم، واتبعوا سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم.
عباد الله: الصلاة الصلاة فإنها عماد الدين لا يقوم إلا به، فهي أول ما أوجبه الله من العبادات، فمن تركها فقد كفر، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله [1] ، وهي آخر وصية وصى بها النبي أمته عند مفارقته الدنيا، فجعل يقول وروحه الشريفة تصعد إلى ربها وهو يقول: (( الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم ) ) [2] ، حافظوا عليها كما أمركم الله في السفر والحضر والخوف والأمن، من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، قال تعالى: حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى? وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـ?نِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَ?ذْكُرُواْ ?للَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ [البقرة:238، 239] ، إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] . قال صلى الله عليه وسلم: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) ) [3] .
عباد الله: أدوا زكاة أموالكم فإن الله استخلفكم فيها وفرض عليكم فيها حقًا واجبًا وهي ركن من أركان الإسلام، فالزكاة نجاة وبركة وطهارة للمال ولصاحبه: خُذْ مِنْ أَمْو?لِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَو?تَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة:103] . فلا يغرنكم الشيطان فتضيعوا حق الله فيسلب منكم نعمة المال ويفقركم في الدنيا قبل الآخرة.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
عباد الله: صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، فرضه الله في كتابه لحكم سامية، وجزاؤه عند الله عظيم: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) [4] فصوموا تصحوا وتفرحوا.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
أيها الناس: الحج فرض على المستطيع الذي يملك نفقة ولا دين عليه: وَللَّهِ عَلَى ?لنَّاسِ حِجُّ ?لْبَيْتِ مَنِ ?سْتَطَـ?عَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] . والحج من أفضل القربات والطاعات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: (( إيمان بالله ورسوله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( جهاد في سبيل الله ) )، قيل: ثم ماذا؟ قال: (( حج مبرور ) ) [5] .
والحج المبرور ما كان خالصًا لله من نفقة حلال ولا رفث فيه ولا فسوق.
[1] أخرجه الطبراني في الأوسط (2/240-1859) والمقدسي في المختارة (7/145) ، وقال الهيثمي في المجمع (1/292) :"فيه القاسم بن عثمان، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ"، وصححه الألباني في الصحيحة (1358) بمجموع طرقه.
[2] أخرجه أحمد (6/311) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. وله شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عند أحمد (3/117) ، وابن ماجه (2197) ، وابن حبان (2697) ، ومن حديث علي عند أحمد (1/78) وأبي داود (5156) ، وابن ماجه (2698) ، والحديث صححه الألباني في الإرواء (2178) .
[3] أخرجه أحمد (5/231) ، والترمذي في الإيمان ، باب: ما جاء في حرمة الصلاة (3616) ، وابن ماجه في الفتن ، باب: كف اللسان في الفتنة (3973) من حديث معاذ رضي الله عنه ، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح". وصححه الألباني في الترغيب (2866) .
[4] أخرجه البخاري في الصوم ، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية (1901) ، ومسلم في صلاة المسافرين ، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في الحج ، باب: فضل الحج المبرور (1519) ، ومسلم في الإيمان ، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (83) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما.