أديان وفرق ومذاهب, العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية, مذاهب فكرية معاصرة
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
1-قاعدة المساواة في الإنسانية بين جميع البشر 2- الدعوات الجاهلية تجعل آصرة التجمّع
الإنساني: الأصل , الوطن , الأصل , القبيلة 3- في الإسلام التكريم للتقوى والدين
فحَسْب 4- نماذج من غرس هذا الأصل بين المسلمين 5- تحذير رسول الله من دعوة الجاهلية
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير [الحجرات:13] . هذه الآية الكريمة قررت مبدأ عظيما من مبادئ الإسلام الأساسية والمبادئ الأساسية هي بمثابة الاستراتيجية في اللغة العسكرية أي هي أمور ثابتة لا تفريط فيها ولا تهاون في أمرها فهذه ثوابت الدين الرباني الذي ندين الله تعالى به ونعتقده وتصطبغ به حياتنا.
فالمساواة حقيقة راسخة بين البشر أجمعين في الأصول والعناصر والعروق والأنساب فأصل الجميع واحد الأب واحد والأم واحدة وجميع الخلق جميع الناس تتسلسل أصولهم وأنسابهم لتنتهي إلى عنصر واحد هو التراب فلماذا يتوهمون التفاضل فيما بينهم في الأصول وفي العناصر والأنساب، لا قومية ولا عنصرية.
فالقوميات تجعل أساس التجمع بين الناس هو الأصل والعنصر والنسب الأصل والجنس والنسب، القومية تجعل أساس التجمع ومقياس التفاضل والتميز هو الأصل والجنس والنسب ولو كان للأصل والجنس والنسب اعتبار في الإسلام ما أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا الحبشي الزنجي الأسود رضي الله عنه ما أمره أن يرقى على سطح الكعبة المعظمة ليصدح بالأذان وتحته أشراف العرب وثراتهم وذلك في الفتح الأعظم وذلك عندما دخل سيدنا المصطفى رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة فاتحا وخضعت له قريش بعد أن ناوءته وحاربت دعوته أكثر من عشرين عاما.
لو كان لشعب أو لقبيلة أو لجنس أو لعشيرة أن يفضلوا الآخرين بجنسهم وأصلهم ونسبهم ما زوج رب العالمين زينب بنت جحش القرشية الهاشمية من جهة أمها الأسدية من جهة أبيها زوجها رب العالمين من عبد من مولى رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة زوجه منها من فوق سبع سماواته فكان ذلك إعلانا ربانيا سماويا بإلغاء العنصريات والقوميات والقبليات وبتحريم التفاخر بالآباء قال سيدنا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أيها الناس قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها فالناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله تعالى ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى ) ) [1] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الناس لآدم وحواء طف الصاع لم يملؤه إن الله لن يسألكم عن أنسابكم ولا أحسابكم يوم القيامة إن أكرمكم على الله أتقاكم ) ) [2] صدق المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الميزان الرباني وهذا المقياس النبوي هو الذي حكم بتفضيل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي على أبي لهب العربي القرشي الهاشمي عم رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك إلا لأن هؤلاء الأعاجم آمنوا بالله واتقوه ونصروا الله ورسوله وذلك العربي القرشي الهاشمي كفر وفجر.
ومبادئ هذا الدين الرباني وموازينه ومقاييسه لا محاباة فيها ولا مداهنة وإلا فمقام القربى من رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولى المقامات أن ينفع صاحبه أن ينفع ذلك المشرك الذي أنزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة بذمه والدعاء عليه ولكن لا محاباة ولا مداهنة في موازين هذا الدين الرباني ومقاييسه إن هذا الإسلام هو دين الله تعالى لسائر البشر للناس أجمعين إنه يسع جميع الناس ولا يضيق عن أحد على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأصولهم وأنسابهم الإسلام يسعهم جميعا ولا يضيق عن أحد وسيدنا المصطفى رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة والنعمة المسداة أرسل رحمة للعالمين لجميع العالمين أرسل للناس كافة على اختلاف أجناسهم وألوانهم وشعوبهم وقبائلهم هو رحمة للجميع ورسالته للجميع ودين الله الإسلام هو دين يسع الجميع وتنصهر فيه جميع القبائل والشعوب والأجناس والأعراض متساويين في ذلك بين يدي الله لا يتفاوتون إلا بالتقوى هذا مبدأ أساسي من مبادئ هذا الدين العظيم الكريم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف:158] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أبو داود:ك:الأدب: (5116) .
[2] احمد بخوه (4/145) .
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صَّل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا من أصحابه تنازعوا فقال قائل منهم: ياللمهاجرين وقال قائل: ياللأنصار فخرج سيدنا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته غاضبا يجر رداءه وقال لهم: (( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة دعوها فإنها منتنة ) ) [1] .
لقد بعث سيدنا المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقضاء على العنصريات الجاهلية المنتنة وليقيم بدلا منها صرح الإيمان الذي يجتمع تحت لوائه جميع المؤمنين إخوانا متحابين تربط بينهم رابطة ووشيجة واحدة هي رابطة الإيمان ووشيجة الإسلام.
ولكن أعداء المسلمين نجحوا اليوم في التسلل إلى صفوفهم وزرع بذور العنصريات الجاهلية المنتنة بينهم فمزقوهم وشتتوا شملهم بعد أن كانوا أمة واحدة مرهوبة الجانب ففي ديار الترك مثلا الماسونيون والصهيونيون ويهود الدونمة بعد أن نجحوا في تقويض صرح الخلافة الإسلامية الذي جعل ديار الترك فترة طويلة من الزمن مركز التجمع الإسلامي لتجمع المسلمين بعد أن نجحوا في تقويض ذلك الصرح زرعوا بذور العنصرية التورانية القومية التورانية بين الترك ورفع لواء هذه العنصرية الجاهلية التركية أحزاب ماسونية مشبوهة كحزب الاتحاد والترقي أو حزب تركيا الفتاة وكان من أبرز طواغيت هذه العنصرية التورانية مصطفى كمال الذي لبث في أول أمره فترة يتمسح بمسوح الإسلام ولقب نفسه بالغازي في سبيل الله وأعلن الجهاد ليخدع المسلمين لتنطلي حيلته على السذج وقد انطلت حيلته فعلا حتى مدحه أحمد شوقي:
الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
انخدع به فظنه فعلا مجاهدا غازيا في سبيل الله وما لبث ذلك العنصري اليهودي التوراني أن كشر عن أنيابه فإذا هو عدو لله ورسوله عدو مرير للإسلام فتك بالمسلمين في ديار الترك قتل علماءهم حتى بلغت به الوقاحة أن منع الأذان من على المنابر بالعربية بل أوجب أن يكون الأذان بالتركية من شدة سخريته بالإسلام والمسلمين.
ولقد رد الله كيده في نحره وكيد أذنابه فها هم الترك يتململون وينفضون عن كواهلهم غبار هذه العنصرية الجاهلية التورانية ويجددون إيمانهم بالله ورسوله صحوة إسلامية فيما بينهم وعودة إلى دين الله رغم أنف العنصريين الجاهليين.
وأما نصارى العرب فقد زرعوا بين العرب العنصرية العربية الجاهلية القومية العربية وكان من أبرز حملة راية هذه العنصرية حزب البعث الذي أنشأه قبل خمسين سنة ميشيل عفلق النصراني ومبادئ هذا الحزب.
إن ذهبنا نشرحها يطول بنا المقام، ولكن لخصها شاعر بعثي كافر خبيث بقوله فض الله فاه:
آمنت بالبعث (أي بحزب البعث) ربا لا شريك له وبالعروبة دينا ما له ثاني
فالعروبة بمعناها العنصري الجاهلي المنتن هو دين هذا الحزب العنصري العلماني الملحد الخبيث ومنذ نشأ هذا الحزب هو وأشباهه من التجمعات العنصرية الجاهلية المنتنة يجرون الكوارث تلو الكوارث والهزائم تلو الهزائم على العرب وعلى أمة الإسلام جميعا وكأنما يأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يحقق وعده الذي أعلنه رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم منذرا أمته يقول عليه الصلاة والسلام: (( لينتهين قوم عن تفاخرهم بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان ) ) [2] فال ذل والهوان والتشتت والانقسام والتقاتل والتناحر كما كانوا يفعلون في الجاهلية قبل الإسلام هذه هي العقوبة الإلهية للذين أعرضوا عن مبادئ الإسلام الخالدة الرفيعة السامية مبادئ المساواة وميزان التقوى والأخوة الإيمانية الإسلامية التي تجمع بين سائر المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم هذه هي العقوبة الإلهية لمن ذهبوا يجرون لاهثين وراء العنصريات الجاهلية المنتنة وراء القوميات تورانية كانت أو فارسية هندية كانت أو بربرية زنجية كانت أو عربية كلها دعاوى الجاهلية التي وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنها منتنة.
طاغية العراق الذي روع الناس اليوم وهتك الحرمات وسفك الدماء وزاد الأمة تمزيقا وفتح الأبواب للأعداء هو إفراز منتن من إفرازات ذلك الحزب العنصري الجاهلي حزب البعث من كوارثه العديدة المتوالية إنه ليس أول كوارثه ولن يكون آخرها، الذين يتوهمون أن الصراع بيننا وبين شخص واحد مخدوعون أو مخادعون، السياسة قلب قد يكون حليف اليوم عدوا غدا وقد يكون عدو الغد حليفا اليوم، السياسة قلب أما المبادئ فهي ثابتة والصراع طويل مرير إلى يوم الدين بين ملتين بين ملة الإسلام وملة الكفر بين مبادئ الإسلام الرائعة السامية الكريمة مبادئ المساواة وميزان التقوى والأخوة الإيمانية وبين العنصريات الجاهلية قومية بعثية تورانية عربية إلى غير ذلك صراع مرير ثابت مستمر ولكن خذوا حذركم أيها المسلمون فتشوا بين صفوفكم وفي دياركم عن الطابور الخامس فتشوا عن العلمانيين عن الجاهليين عن البعثيين فإنهم قد يكونون مندسين بين صفوفكم من أبناء جلدتكم ويتكلمون بألسنتكم ويتقطعون غيظا عليكم مهما تمسحوا بمسوح الإسلام وتستروا ونافقوا وأظهروا لكم الموافقة ولتعرفنهم في لحن القول [محمد:30] . ستكشف أقلامهم وأقوالهم ومواقفهم وأفعالهم وخاصة في المحن تكشف ما في صدورهم من بغضاء ومن غيظ على الإسلام وأهل الإسلام قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون [آل عمران:118] . بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون إن كنتم تعقلون.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان.
ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الاحزاب:56] . وقال صلى الله عليه وسلم: (( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا ) ) [3] .
[1] أخرجه البخاري بنحوه:ك:التفسير (4622) .
[2] أخرجه أبو داود: في الأدب (5116) .
والترمذي: في المناقب (395) .
[3] صحيح مسلم (408) عن أبي هريره رضي لله عنه.