واختلف عن مالك في أرض العنوة، فمرة قال: لا تقسم [1] . ومرة قال: لا بأس بقسمتها [2] . ولا خلف أنه إن قسمها الإمام أن فعله ماض ولا يرد، فإن رأى وَقَفَها للأبد، وكانت حبسًا ينتفع بمنافعها، بإجارة وبغير إجارة. وإن أوقفها ليرى رأيه فيها في المستقبل- جاز، ويعطي الآن منفعتها هبة أو بكراء، حتى يرى وجهًا لقسمتها، وإن تركت لأهل العنوة، الذين افتتحت عليهم على وجه العون، ليس على وجه الملك- لم يبيعوها، كان مات لم يورث عنه، وإن أسلم لم يكن له وما خلا أهله عنه كالعنوة، فإن رأى الإمام قسمتها قسمها، وإن رأى أن يوقفها وقفها، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قسم خيبر على السهمين [3] . وقال عمر: لَولا أَنْ يَأْتِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَمْ أَدع قَرْيَةً أَفْتَتِحُهَا إِلا قَسَمْتُهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ [4] . أخرجه البخاري ومسلم.
فسلم عمر - رضي الله عنه - أن القسم جائز لم ينسخ، ولأنه إذا أجاز أن يعيد على الجيش بعض الخمس على وجه النفل؛ جاز أن يخمس ما سوى الأرض، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً [5] . قال ابن شعبان: وأجمعوا على أنه لم يجعلها فيئًا، كما فعل بغيرها.
(1) انظر المدونة: 1/ 514.
(2) انظر: البيان والتحصيل: 2/ 539، 540.
(3) متفق عليه، أخرجه البخاري: 2/ 823، في باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله ولم يذكر أجلا معلوما، من كتاب المزارعة، برقم (2213) ، ومسلم: 3/ 1186، في باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع من كتاب المساقاة، برقم (1551) .
(4) أخرجه البخاري: 3/ 1136، في باب الغنيمة لمن شهد الوقعة، من كتاب الخمس، برقم (2957) ، ولم أقف عليه في صحيح مسلم.
(5) أخرجه أبو داود: 2/ 177، في باب ما جاء في خبر مكة، من كتاب الخراج والفيء، برقم (3022) ، ومن طريقه البيهقي: 9/ 118، في باب فتح مكة حرسها الله تعالى، من كتاب السير، برقم (18057) .