وآخر وهو ما لم يطلع الفجر.
وإنما تضمنت هذه الأحاديث معرفة آخر الوقت، وقد كان وقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في أول الوقت، فأخبرهم: أنه من فاته الوقوف معه لم يفته الحج، وأن الوقوف [1] باقٍ إلى طلوع الفجر، وهو مثل قوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" [2] . وأول العصر إذا دخلت القامة الثانية، وكذلك قوله قي:"فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ" [3] ، ولفظة الإدراك إنما يعتد بها في الغالب عما يخشى فواته، ويدل على ذلك: الإجماع على أنه لا يجوز أن يتعمد الناس باجتماعهم للوقوف قبل الفجر، ويدَعُونَ النهار. واحتج للقول الأول في ذلك أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لضعفة أهله في الدفع من المزدلفة بليل، ولم يأذن بذلك من عرفة [4] . ولو كان النهار فرضًا لأذن لهم. وهذا غير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنهم استأذنوه في جمع، ولم يستأذنوه بعرفة، فمنعهم، فيعلم افتراق الحكمين.
والثاني: أنهم لو استأذنوه فمنعهم لأمكن أن يكون ذلك لأنهم في أفضل يوم وأفضل الساعات، ولما يرجى من الغفران والرحمة، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا رُئيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ"
(1) في (ب) : (الوقت) .
(2) سبق تخريجه في كتاب الصلاة الأول، ص: 357.
(3) في كتاب الصلاة الأول.
(4) متفق عليه, أخرجه البخاري: 2/ 602، في باب من قدم ضعفة أهله بليل، من كتاب الحج، برقم (1592) . ومسلم: 2/ 941، في باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن، من كتاب الحج، برقم (1295) .