وقائل يقول: أطلق السلفُ الورعَ في المباح، فنفيه عنه [1] خلافُ الإجماع، لكنه لم يتخلص في سؤال التناقض.
والحقُّ: أن المباح يطلق على الفعل الذي سلمت العاقبةُ من أدائه إلى محظور، حتى يُفرض فيه أن الصادق قال لصاحبه: خيرتك فيه، فإنه لا يؤدي في حقك إلى محظور ولا مكروه، فهذا لا يختلفون أنه لا ورع فيه.
ويطلق أيضًا جِنْسًا للأمر الذي إن سلمت العاقبة [2] فيه، فهو مباح، وإن أفضت فيه إلى خلاف المباح، فليس بمباح، فهذا الجنس مباحٌ باعتبار ذاته، غيرُ مباح على تقدير أدائه إلى خلافه، وفيه دخلَ الورع، وإليه الإشارة بقوله -عليه السلام-:"أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ زِينَةُ الدُّنْيَا" [3] ؛ فإن زينة الدنيا هي جنس المباح، ومع ذلك خافها؛ لأدائها غالبًا إلى خلاف المباح؛ من اعتيادِ حُب الإكثار، وحملِ العادة على الكسب من الحل والحرام.
ووقعت للسائل شبهةُ منكري [4] الورع؛ لأنه تعجَّب من كون الدنيا مباحةً وخيرًا، ثم خافَ منها الشرَّ الذي هو المحظور، فتعجب من وصفها بالوصفين: الخيرِ والشرِّ، وذهل عن الحال والمال، حتى بينه -عليه السلام- بالمثال، وذلك أن الخصب خير، و [5] مفروح به بالقول المطلق،
(1) في"م"و"ج":"عن".
(2) في"م":"المعاقبة".
(3) رواه مسلم (1052) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4) "منكري"ليست في"ن".
(5) "و"ليست في"ع".