أما إذا كان الجالسون بين يديه فإنه يبدأ بالأكبر؛ كما في حديث أبي يعلى السابق، وكما في حديث البخاري: في باب دفع السواك إلى الأكبر؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي قال:"أُرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فجاءني رَجُلان أحدهما أكبر من الآخر فناولتُ السِّوَاكَ الأصغرَ منهما؛ فقيل لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكبرِ منهما" [7] . قال الحافظ ابن حجر في شرحه [8] : قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام. اهـ.
وإذا كانوا كلهم عن يمينه أو عن شماله فهل يبدأ بالأكبر؟ لأنه في هذه الصورة لا ميزة لأحدهم من حيث الميمنة .. أو يبدأ بمن يليه لأنه الأقرب إليه، والقرب معتبر ؟ وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنَّ لِي جارَيْنِ فإلى أيِّهِما أُهْدِي ؟ فقال:"إلى أَقْرَبِهِما منكِ بَابًا" [9] . رواه أحمد والبخاري، وهذا أقرب من الأول؛ لكن لو نظر إلى ما تقتضيه الحال فعمل به لكان أجود .
وإنما بسطت القول في هذه المسألة؛ لأن الناس اتخذوا فيها منهجًا مخالفًا لما كانوا يعتادونه من كون الرجل إذا دخل سلم ثم جلس حيث ينتهي به المجلس؛ اللهم إذا كان في الجالسين من تقتضي الحال أن يخص بالمصافحة لعلمه أو كبره أو قدومه من غيبة ونحوها، فيخصونه، واتخذوا هذا المنهج الجديد معتقدين أنه سنة يتقربون به إلى الله تعالى، وهذا يحتاج إلى دليل، وقد علمت أن ظاهر السنة خلافه .
أسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم علمًا وعملًا، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــ
[1] أحمد (5/91، 98، 107) ، وأبو داود (4825) ، والترمذي (2725) ، وقال: «حسن صحيح غريب» ، وابن حبان (6433) ، والبيهقي في «الكبرى» (5682) .