ثم جاء في الكتاب المذكور في حاشية (ص/27) : «التبديل في الحكم في اصطلاح العلماء هو: الحكم بغير ما أنزل الله، على أنه من عند الله، كمن حَكَم بالقوانين الفرنسية وقال: هي من عند الله أو من شَرْعِهِ تعالى، ولا يخفى أن الحُكَّام بغير ما أنزل الله اليوم لا يزعمون ذلك؛ بل هم يصرحون أن هذه القوانين محض نتاج عقول البشر القاصرة، والتبديل بهذا المعنى (لا بالمعنى الذي يذهب إليه أهل الغلو) كُفْر بإجماع المسلمين» كذا قال.
ونقول: هذا التبديل الذي ذكرتَ أنه كُفْر بإجماع المسلمين، هو تبديل غير موجود، وإنما هو افتراضي من عندك، لا يقول به أحد من الحكام اليوم ولا قبل اليوم، وإنما هناك استبدال هو اختيار جعل القوانين الوضعية بديلة عن الشريعة الإسلامية، وإلغاء المحاكم الشرعية، وهذا كفر - أيضًا -؛ لأنه يزيح تحكيم الشريعة الإسلامية وينحِّيها نهائيًّا، ويُحِل محلها القوانين الوضعية، فماذا يبقى للإسلام ؟!
وما فَعَل ذلك إلا لأنه يعتنقها ويراها أحسن من الشريعة، وهذا لم تَذْكره، ولم تبين حكمَه، مع أنه فَصْل للدين عن الدولة، فكأن الحكم قاصر عندك على التبديل فقط، حيث ذكرت أنه مُجْمَع على كفر من يراه. وكأنَّ قسيمه وهو: الاستبدال، فيه خلاف حسبما ذكرت، وهذا إيهام يجب بيانه.
ثم قال العنبري في رده على خصمه: إنه يدعي الإجماع على تكفير جميع من لم يحكم بغير ما أنزل الله بجحود أو بغير جحود.
وأقول: كفر من حكم بغير ما أنزل الله لا يقتصر على الجحود؛ بل يتناول الاستبدال التام، وكذا من استحل هذا العمل في بعض الأحكام ولو لم يجحد، أو قال: إن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو قال: يستوي الأمران، كما نص على ذلك أهل العلم. حتى ولو قال: حكم الله أحسن ولكن يجوز الحكم بغيره؛ فهذا يكفر، مع أنه لم يجحد حكمَ الله. وكُفْرُه بالإجماع.