فهرس الكتاب

الصفحة 4749 من 4864

أحدهما: أن سورة المائدة هي المتأخرة باتفاق العلماء؛ فتكون ناسخة للنص المتقدم، ولا يقال: إن هذا نسخ للحكم مرتين؛ لأن فعل ذلك قبل التحريم لم يكن بخطاب شرعي حلل ذلك؛ بل كان لعدم التحريم؛ بمنزلة شرب الخمر وأكل الخنزير ونحو ذلك. والتحريم المبتدأ لا يكون نسخًا لاستصحاب حكم الفعل؛ ولهذا لم يكن تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - (( لكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ) )، ناسخًا لما دلَّ عليه قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام:145] ، الآية - من أن الله عز وجل لم يحرم قبل نزول الآية إلا هذه الأصناف الثلاثة؛ فإن هذه الآية نفت تحريم ما سوى الثلاثة إلى حين نزول هذه الآية؛ ولم يثبت تحليل ما سوى ذلك؛ بل كان ما سوى ذلك عفوًا لا تحليل فيه ولا تحريم كفعل الصبي والمجنون.

ويدل على ذلك أنه قال في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة:5] فأخبر أنه أحلها ذلك اليوم، وسورة المائدة مدنية بالإجماع، وسورة الأنعام مكية بالإجماع، فعُلم أن تحليل الطيبات كان بالمدينة لا بمكة، وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة:4] وقال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} إلى آخرها [المائدة:5] . فثبت نكاح الكتابيات، وقبل ذلك كان إما عفوًا على الصحيح وإما محرمًا ثم نسخ، يدل عليه أن آية المائدة لم ينسخها شيء.

الوجه الثاني: أنه قد ثبت حل طعام أهل الكتاب، بالكتاب والسنة والإجماع، والكلام في نسائهم كالكلام في ذبائحهم، فإذا ثبت حِل أحدهما ثبت حِل الآخر؛ وحِل أطعمتهم ليس له معارض أصلًا.

ويدل على ذلك: أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على أنهم كانوا مجتمعين على جواز ذلك".اهـ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت