فهرس الكتاب

الصفحة 4527 من 4864

وأما إذا كَبُرت الأمصار، وأَذِنَ الأئمةُ بتعدُّد المساجد، وتعدُّد التَّجميع فيها؛ فلا يُعَدُّ المعدِّدون مُشَاقِّين ولا مفرِّقين بين المسلمين، ولا عاصين لأئمتهم؛ بل متَّبعين لهم في مسألةٍ اجتهاديةٍ تجبُ طاعتهم فيها؛ إذ لا دليل - قطعيًّا - على أن التَّجميع في مسجدٍ واحدٍ فرضٌ مطلوبٌ لذاته، وأنه شرطٌ لانعقاد صلاة الجمعة، والشَّرطُ أخصُّ من الواجب المُطلق؛ فلا يثبتُ إلا بدليلٍ خاصٍّ.

ومنها: أن اليُسْر في الدين ورفع الحَرَج منه، قاعدتان أساسيَّتان من قواعده، ثابتتان بنصِّ القرآن القطعي؛ فلا مجال فيها لاجتهاد أحد، وهي تقتضي وجوب تعدُّد الجمعة لا جوازه فقط؛ ومن المأثور عن الإمام الشافعي قوله - بناءً على هذه القاعدة:"إذا ضاق الأمرُ؛ اتَّسَعَ"!

ومنها: أن من شروط صحَّة الصلاة (صحَّة النيَّة) ، ومن شروطها (الجَزْم بالمنوي) ، فمَنْ كان يشكُّ في صحة جُمُعته؛ لا تَنْعَقِدُ بإحرامه بها، ويكون عاصيًا لله - تعالى - بشُروعه فيها؛ لأنها عبادةٌ فاسدةٌ.

فإن قيلَ: إن الأصل عند أهل كلِّ مسجدٍ من مساجد الجمعة أن جُمُعتهم صحيحة؛ لعدم علمهم بسَبْقِ أحدٍ لهم في جُمُعتهم؛ وإنما تجب صلاة الظهر بعدها (احتياطًا) ؛ لاحتمال سَبْق غيرهم لهم.

قلنا: إن احتمال سَبْق غيرهم كافٍ في حصول الشكِّ المُبْطِل لصحَّة النيَّة، وقد يرتقي في بعض المساجد إلى الظنِّ الرَّاجح لأهلها بسَبْق غيرهم، فقد عُلِمَ بالاختبار والتجارِب: أن بعض أئمة الجمعة يطيلون الخُطْبَة، وبعضهم يقصِّرونها، حتى إن أهل هذه ينصرفون من صلاتهم، ويمرون بالأخرى؛ فيروْن أنهم لم يشرعوا فيها بالصلاة أو لم ينتهوا منها! ومِن المصلِّين مَنْ يتحرَّى هذه، ومنهم مَنْ يتحرَّى تلك!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت