وقولُهم:"الجمعة لمَنْ سَبَق"ليس بحديثٍ نبويٍّ يجب العمل به؛ وإنما هو عبارةٌ اجتهاديةٌ من فقه الشافعيَّة، مبنيَّةٌ على عدم جواز تعدُّد الجمعة إذا أمكن التَّجميع في مسجدٍ واحد، فإن خالفوا وعدَّدوا؛ صحَّت جمعةُ من سَبَق منهم، وكانت جمعة الآخرين باطلة، فإن جَهِلَ السابق؛ وجب على جميع المسلمين صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة، وهذا ما يفعلونه الآن في جميع مساجد مصر وغيرها، معتقدين أن هذا مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - وأن الواجب على كل مَنْ يوصف بأنه (شافعيٌّ) أن يفعله، وإلا كان عاصيًا لله تعالى!! وإن هذا لحوبٌ كبير، لو كان الشافعيُّ حيًّا لأنكره وتبرَّأ منه، وإن كان يُعتقَد أن التَّجميع في مسجدٍ واحدٍ واجبٌ؛ فهذا الاعتقاد لا يستلزم ما ذُكِرَ.
وفي هذه المسألة مباحثٌ اجتهاديةٌ، منها:
أنه لا يقوم دليلٌ شرعيٌّ على أن التَّجميع في مسجدٍ واحدٍ شرطٌ لصحَّة الجمعة، قلَّ الناس أو كثروا، وإن عَسُر ذلك عليهم، بأن كانوا في مدينة كـ (القاهرة) ، يزيدُ أهلُها على ألف ألف نَسَمة، ومساحتها عدَّة أميال.
وأما (تجميع) المسلمين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه؛ فقد كان واجبًا قطعًا؛ بحيث تُعَدُّ جمعة مَنْ خالفه باطلةٌ من أصلها، لا يجوز الشُّروع فيها مطلقًا؛ فقد كانت جُمُعته - صلى الله عليه وسلم - بمَن معه هي الصحيحة وحدها، وإن فرضنا أنها تأخَّرت.
وكذلك حكم (التَّجميع) مع خلفائه وغيرهم من أئمة المسلمين.
فإذا جمَّع الإمام بالمسلمين في مسجدٍ واحد، لإمكان ذلك بدون عُسْرٍ ولا مشقَّةٍ شديدة؛ وجب اتِّباعه والتَّجميع معه، وحَرُمَ مخالفته بالتَّجميع في مسجدٍ آخر بدون إذنه؛ لأنه شقاقٌ بين المسلمين، ومعصيةٌ للإمام الواجب اتِّباعه في الطاعة.