فآدمُ - عليه السَّلام -لم يحتجّ بالقَدَر على الذَّنْب، كما يَظُنُّ ذلك مَنْ لم يتأمَّل في الحديث، وموسى - عليه السَّلام - لم يَلُمْ آدم على الذَّنب؛ لأنَّه يعلم أنَّ آدم استغفر ربَّه وتاب، إنَّما احتجَّ موسى بالمصيبة، فحَجَّه آدم بالقَدَر.
قال العلامة ابن أبي العزِّ الحنفيِّ في"شرح الطَّحاوية":"الصَّحِيح أنَّ آدمَ لم يَحْتَجَّ بالقضاء والقَدَر على الذَّنْب، وهو كان أعلم بربِّه وذنبه؛ بل آحادُ بنيه منَ المؤمنين لا يَحْتَجُّ بالقَدَر، فإنَّه باطلٌ. وموسى - عليه السَّلام - كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدمَ على ذَنْبٍ قد تاب منه، وتاب الله عليه واجتباه وهَدَاه، وإنَّما وقع اللَّوْم على المصيبة التي أخرجت أولادَه منَ الجنَّة، فاحْتَجَّ آدمُ بالقَدَر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإنَّ القَدَر يُحْتَجُّ به عند المصائب، لا عند المعائب. وهذا المعنى أَحْسَنُ ما قِيلَ في الحديث. فما قُدِّرَ منَ المصائب يجب الاستسلام له، فإنَّه من تمام الرِّضَى بالله ربًّا، وأمَّا الذُّنوب فليس للعبد أن يُذنبَ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب. فيتوب منَ المعائب، ويصبرَ على المصائِبِ". انتهى.
والخلاصة؛ أنَّ الاحتجاج بالقَدَر على قسمَيْن:
القسم الأول ممنوعٌ: وهو الاحتجاج به على المعاصي؛ لتبريرها، وتبرير الاستمرار فيها، فهذا لا يجوز.
القسم الثاني مشروعٌ، وذلك في حالَيْن:
أ- الاحتجاج به على المصائب.
ب- الاحتجاج به على المعاصي التي مضت بعد التوبة منها؛ لأنَّ المعاصي في حقِّه صارت مصيبة.
أمَّا تحسُّرُكَ على نفسِكَ، وعلى ما فاتك من تحصيل الدُّنيا؛ فاحمد لله الذي مَنَّ عليك بالتَّوْبة، قبل فوات الأوان؛ فكم مِنَ النَّاس مَنْ ابتُلِيَ بمثل ما ابْتُلِيتَ به، وظلَّ على حاله حتى اصْطَلَمَه الموت على تلك الحال المنكرة - نسأل الله العافية والسَّلامة - فاحمد الله على العافية والسَّلامة من أكل الحرام.