فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 4864

فعن عليٍّ - رضيَ الله عنه - قال: كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جنازةٍ، فأخذ شيئًا، فجعل يَنْكُتُ به الأرض، فقال: (( ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتِبَ مقعده منَ النَّار ومقعده منَ الجنَّة ) ). قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: (( اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. أمَّا مَنْ كان من أهل السَّعادة؛ فسَيُيَسَّر لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا مَنْ كان من أهل الشَّقاء؛ فسَيُيَسَّر لعمل أهل الشَّقاوة ) ). ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} ؛ متَّفقٌ عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"واللهُ لا يأمر بالفحشاء، ولا يحبُّ الفساد، ولا يرضى لعباده الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ ... وإن كان ذلك واقعًا بمشيئته، وقُدْرَته، وخَلْقِه، وأمره الكوْنيِّ، فالأمر الكوْنيُّ ليس هو أمرًا للعبد أن يفعل ذلك الأمر؛ بل هو أمرُ تكوينٍ لذلك الفعل في العبد، أو أمر تكوينٍ لكوْن العبد على ذلك الحال ... وليس في ذلك علمٌ منه بأن الله أَمَرَهُ في الباطن بخلاف ما أمَرَهُ في الظَّاهر؛ بل أَمَرَه بالطَّاعة باطنًا وظاهرًا، ونهاه عنِ المعصية باطنًا وظاهرًا، وقدَّر ما يكون فيه من طاعةٍ ومعصيةٍ، باطنًا وظاهرًا". اهـ.

وعليه؛ فما كان من فِعْل العبد واختياره؛ فإنَّه لا يصحُّ له أن يحتجَّ بالقَدَر، وما كان خارجًا عن اختياره وإرادته؛ فيصحُّ له أن يحتجَّ عليه بالقَدَر. ولهذا حَجَّ آدمَ موسى - عليهما السلام - كما في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في محاجَّتهما: (( احتج آدمُ وموسى؛ فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتُكَ منَ الجنَّة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ قبل أن أُخْلَق؟! فحَجَّ آدمُ موسى ) )؛ أي: غَلَبَه في الحُجَّة؛ متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت