أما بالنسبة لعدد الوجبات، فإنَّه يُباحُ تناوُلُ الطَّعام عند الحاجة إليه؛ كمَن يأكلُ على جوعٍ أو حاجةٍ، وليس لذلك قدرٌ أو حد معين من المرَّات، وإنَّما نَهانا اللهُ تعالى عنِ الإسراف؛ فقال سبحانَهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .
والإسرافُ: هو مُجاوزةُ الحدّ في الأكل، فعلى المرء أن يأكل بقدر الحاجة؛ قال - صلى الله عليه وسلم: (( ما ملأ آدمِيٌّ وعاءً شرًّا من بطنه، بحسبِ ابْنِ آدَمَ أكلات يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا مَحالةَ، فثُلُثٌ لِطَعامِه وثلثٌ لِشَرابِهِ وثلثٌ لنَفَسِه ) )؛ رواه أحمدُ والتّرمذيُّ، وهو حديث صحيح.
وهذا لا يُنافِي جوازَ الشِّبَع أحيانًا، فإنَّ الصحابة كانوا ربَّما شبعوا؛ فَفِي البُخاريِّ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -"أعطى أبا هُرَيْرَة لبنًا فشرِب، فما زال يقولُ: (( اشْرَبْ ) )حتَّى قال له: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا".
وفي الصحيحَيْنِ أنَّ"جابرًا صَنَعَ طعامًا، فَدَعَا له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ الخندق، ثم قال لجابر: (( ائذَنْ لِعَشَرة ) )فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا".
أمَّا الزّيادةُ على الشّبَعِ فحرَّمه الشَّيخُ عِزّ الدين بن عبدالسلام في"القواعد"، وعلَّله بأنَّه إضاعةٌ مالٍ، وإفساد للأبدان.
وقال السَّرَخْسِيُّ في"المبسوط":"... ولأنَّه إنَّما يأكل في منفعة نفسه، ولا منفعةَ في الأكْلِ فوق الشبع، بل فيه مضرَّة، فيكون ذلك بمنزلة إلقاءِ الطَّعام في مزبلة، أو شرّ منها، ولأنَّ ما يزيد على مقدار حاجَتِه منَ الطَّعام فيه حقّ غيرِه، فإنَّه يسدّ به جُوعَته إذا أوصله إليه بعوَضٍ أوْ بِغَيْرِ عِوَض، فهو في تناوُلِه جانٍ على حقّ الغير، وذلك حرام، ولأنَّ الأكلَ فوق الشبع ربَّما يمرضه، فيكون ذلك كجِراحَتِه"انتهى.