أما من جهة الدِّرَاية: فالحديث لا يدل على جواز الأخذ من اللحية - على فرض صحته - ولا حُجَّة فيه؛ لأمور منها:
أولًا: أنه ليس في محل النزاع أصلًا؛ فالسِبَال لغةً: جمع السَّبلة بالتحريك، والسّبلة: الشّارب؛ كما في"النهاية"، وفسرها الفقهاء من الشافعية والحنابلة وقول عند الحنفية والمالكية بطرف الشّارب، إلا أنه لا بأس عند الشافعية بترك السِبَالتين؛ لفعل عمر - رضي الله عنه - وقيل: السبال من اللّحية، وهو القول الثاني عند الحنفية والمالكية؛ قال ابن عابدين - الحنفي:"أمّا طرفا الشّارب وهما السّبالان, فقيل: هما من الشّارب وقيل: من اللّحية, وعليه فقد قيل: لا بأس بتركهما, وقيل: يكره لما فيه من التّشبه بالأعاجم وأهل الكتاب, قال: وهذا أولى بالصّواب".
والراجح أن السِبَال من الشارب؛ لحديث ابن عمر وأبي أمامة الآتيين، وعلى أي الحالين فالحديث لا يدلُّ على أخذ مازاد عن القبضة.
ثانيًا: أن معنى الحديث، الأمر بمخالفة أهل الكتاب والأعاجم والمجوس، كما رجحه الحافظ ابن حجر في الفتح، وابن عابدين في الحاشية، وغيرهما؛ لما رواه أحمد في"مسنده"، والطبراني في"الكبير"عن أبي أمامة، قال:"خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم؛ فقال: (( يا معشر الأنصار حَمِّرُوا وصَفِّرُوا وخالفوا أهل الكتاب... إن أهل الكتاب يَقُصُّون عثانينهم، ويوفرون سِبَالهم ) )، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قصوا سِبَالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب )) ، قال الهيثمي في"المجمع":"رجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة"، وحسنه الألباني في"السلسلة الصحيحة"، والعَثَانِين جمع عُثْنون وهي اللحية."