أما قصَّة رَضاع سالمٍ مولى أبي حذيفة فهي واقِعة عينٍ لا عُموم لها؛ فيُحتَمل أنَّها خاصَّة بسالمٍ، أو به وبِكُلِّ من له نفسُ حاله.
قال الكاساني في ذلك:"أما حديث سالم؛ فالجواب عن التعلُّق به من وجهَيْن:"
أحدهما: يُحتَمل أنه كان مخصوصًا بذلك، يدلُّ عليه ما رُويَ عن سائر أزواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم.
الثَّاني: أنَّ رضاع الكبير كان مُحرِّمًا، ثم صار منسوخًا؛ لما رُوِّينا من الأخبار، وأما عمل عائشة - رضي الله عنها - فقد رويَ عنها ما يدلُّ على رجوعها؛ حيث قالت:"لا يُحرِّم من الرضاع إلا ما أنبت اللَّحم والدَّم". على أن عملها مُعارَضٌ بعمل سائر أزواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمُعارَض لا يكون حُجَّةً"."
قال الحافظ ابن عبد البر:"هذا يدُلُّ على أنه حديث تُرِكَ قديمًا، ولم يُعمَل به، ولا تلقَّاه الجمهور بالقَبول على عمومه؛ بل تلقَّوْه على أنه خصوصٌ". اهـ. انظر:"شرح الزرقاني على الموطأ".
وقال الحافظ الدَّارِمي عقب ذكره الحديث في سننه:"هذا لسالم خاصَّةً".
وبذلك صرَّحت بعض الروايات؛ ففي"صحيح مسلم"، أن أمَّ سَلَمَة زوج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كانت تقول:"أبَى سائر أزواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُدخِلْنَ عليهنَّ أحدًا بتلك الرَّضاعة، وقُلْنَ لعائشة:"والله ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لسالم خاصَّة، فما هو بداخلٍ علينا أحدٌ بهذه الرَّضاعةِ، ولا رائينا"."
إنَّ قصة رضاعة سالم قضيَّةُ عَيْنٍ لم تأتِ في غيره، واحتفَّت بها قرينة التَّبنِّي، وصفاتٌ لا توجد في غيره؛ فلا يُقاس عليه.