(والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود رضي الله عنه ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين، مثل: الكحل والخاتم...، قال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم...، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره؛ ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ} حجب النساء عن الرجال؛ وكان ذلك لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها فأرخى الستر النبي صلى الله عليه وسلم ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفى صفية بنت حيي رضي الله عنها بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه؛ فحجبها، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب - أمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ والجلباب هو: الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها. وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح: أن المُحْرِمَة لا تَنْتَقِبْ، ولا تَلْبَس القُفَّازَين [18] . فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو: ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب - كان(حينئذ) الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود