وجه الدلالة من الآية: أنها دلت بمنطوقها على أن الله تعالى رخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها، فلا تلقي عليها جلبابًا، ولا تحتجب؛ لزوال المفسدة الموجودة في غيرها، ولكن إذا تسترت كالشابات فهو أفضل لها. قال البغوي: (وأن يستعففن فلا يلقين الحجاب والرداء خير لهن) [6] ، وقال أبو حيان: (وأن يستعففن عن وضع الثياب ويتسترن كالشابات فهو أفضل لهن) ، انتهى كلام أبي حيان [7] .
ومفهوم المخالفة لهذه الآية: أن من لم تيأس من النكاح وهي التي قد بقي فيها بقية من جمال وشهوة للرجال فليست من القواعد، ولا يجوز لها وضع شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب؛ لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غير مأمون .
الثالث: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *} .
وجه الدلالة من الآية: ما رواه ابن جرير [8] ، وابن أبي حاتم، وابن مردويه في تفاسيرهم بأسانيدهم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبيدة السلماني رضي الله عنه قالا: أمر الله النساء المسلمين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويُبينَّ عينًا واحدة. انتهى كلامهما .
وقوله: (عليهن) أي: على وجوههن؛ لأن الذي كان يبدو في الجاهلية منهن هو الوجه، والجلابيب: جمع جلباب الخمار، وقال ابن منظور في (لسان العرب) نقلًا عن ابن السكيت، أنه قال: قالت العامرية: الجلباب: الخمار. وقال ابن الأعرابي: الجلباب: الإزار. قال الأزهري: معنى قول ابن الأعرابي: (الجلباب: الإزار) لم يرد به إزار الحَقْو [9] ؛ ولكنه أراد إزارًا يشتمل به فيجلل جميع البدن. وكذلك إزار الليل، وهو كثوب السابغ الذي يشتمل به النائم فيغطي جسده كله. انتهى كلام ابن منظور .