فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 4864

فمن زعم أن عيسى - عليه الصلاة والسلام - صلب أو قتل فهو كافر؛ لمخالفته لصريح القرآن، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال من المسلمين: إن الله تعالى أمات عيسى - عليه الصلاة والسلام - موتًا حقيقيًا، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله؛ فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عِمرَان، من الآية: 55] ، حيث فسر التوفي بالإماتة؛ فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيًا وتخليصه بذلك من الذين كفروا؛ جمعًا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على رفعه حيًا وعلى نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعًا وغيرهم به. وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من تفسير التوفي هنا بالإماتة فغير صحيح لانقطاع سنده إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، وإنما روى عنه بواسطة، ولم يصح أيضًا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب، ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالًا في معنى التوفي، فإنه قد فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنًا وروحًا ورفعه إليه حيًا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى؛ جمعا بين الأدلة، وردًا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت