خامسًا: أنك إذا أخذت هذه التي تزعم أنها فائدة بنية أنك سوف تنفقها وتخرجها من ملكك تخلصًا منها؛ فمعنى ذلك أنك لطخت نفسك بالسيئة لتحاول التطهر منها، وهذا ليس منطقًا عقليًا. فنقول: تجنب السيئة أولًا قبل أن تتلطخ بها ثم تحاول أن تتطهر منها. وهل من المعقول أن الإنسان يعرض ثوبه للبول من أجل أن يطهره إذا أصابه البول ؟! أبدًا ليس هذا من المعقول؛ ما دمت أنك تعتقد أن هذا حرام وربا ثم تقوم بأخذه والتصدق به والتبرؤ منه؛ فنقول: لا تأخذه أصلًا، ونزِّه نفسك عنه .
سادسًا: نقول: إذا أخذه الإنسان بهذه النية فهل هو على يقين من أنه سيغلب نفسه فيتخلص منه بصرفه في صدقات أو في مصالح عامة ؟ كلاّ؛ إذ من الجائز أن يأخذه بهذه النية، لكن إذا قام القلب يفيده [3] ، وحدثته نفسه إذا وجد أنها ربطات كبيرة كمليون، أو مائة ألف بأن ينظر في الأمر، فكان في بداية الأمر عازمًا، ثم يتحول العزم إلى النظر في الموضوع، وبعد النظر في الموضوع يتحول إلى: إدخاله في الصندوق . فالإنسان لا يأمن على نفسه، فقد يأخذ بهذه النية، ولكن ينتقض العزم عندما يرى هذه الربطات الكثيرة من الفلوس، فيشح ويعجز أن يخرجها .
ولقد ذكر لي: أن بعض البخلاء في يوم من الأيام صعد على السطح، ووضع أصبعيه في أذنيه، وصاح لجيرانه: أنقذوني، أنقذوني؛ ففزع الجيران، وجاؤوا إليه: ما بالك يا أبا فلان ؟ فقال: لقد عزلت زكاتي عن مالي لأخرجها، لكني وجدتها كثيرة، وقالت لي نفسي: إنه إذا أخذها غيرك نقص مالك فأنقذوني منها .
سابعًا: إن أخذ الربا تشبه باليهود الذين ذمهم الله تعالى في قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا *وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *} [سورة النساء] .