وأجابوا عن الوجه الرابع: أنها محمولة على أن مِلَّة إبراهيم قد بلغتهم، فخالفوها عن قصد لا عن جهل. وبهذا تتوافق الأَدِلَّة، فمن بلغه شيء من الدعوة الصحيحة طُولِبَ به، ومن لم تبلغهم فهم معذورُون، ويمتحِنُهُمُ الله في عَرَصَاتِ يوم القيامة بنارٍ يأمُرُهم باقتحامها، فمنِ اقتحَمَهَا دخل الجنة، ومن امتنع دخل النار. قال ابنُ كثير في تفسيره بعد ما ذكر كثيرًا من الأحاديث التي تفيد امتحان أهل الفترة:"ومنهم من ذهب إلى أنهم يُمْتَحَنُونَ يوم القيامة في العَرَصَات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشَّقاوة. وهذا القول يجمع بين الأَدِلَّة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدِّمَة المُتَعاضِدَة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري - رحمه الله - عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البَيْهَقِيّ في"كتاب الاعتقاد"، وكذلك غيره من محققي العلماء والحُفَّاظ النُّقَّاد. انتهى"
ومن المعروف أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن بلا خلاف؛ لأنَّ إعمال الدَّليلَيْن أَوْلَى من إلغاء أحدهما، وبهذا يعلم أن هذا القول الأخير هو أصح الأقوال وأَوْلاها بالصواب. وقد بسطه شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مُصَنَّفَاتٍ بما لا تجده عند غيره فلْيُرْجَع إليه، وكذلك أبو محمد بن حَزْم في"الإِحْكَام في أصول الأَحْكَام"في الباب السادس:"الأشياء في العقل قبل ورود الشرع"وراجع فَتوى:"العُذْر بالجهل".
أما من بَلَغَتْهُ دعوة الأنبياء أو وصلته بقايا دعوة المرسلين من التوحيد الصحيح، ثم بقي على الشرك بالله فمصيره إلى النار; لأنَّه عَصَى واستكبر عن اتِّبَاع الحق.