الأول: أنَّ التعذيب المنفي في قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، وأمثالها من الآيات . إنما هو التعذيب الدُّنْيَوِيّ ؛ كالذي وقع في الدنيا من العَذَاب بقوم نُوح، وقوم هُود، وقوم صالح، وأمثالهم . وإذًا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة . ونَسَبَ هذا القول القُرطبي، وأبو حَيَّان، والشَّوْكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجُمْهُور .
والوجه الثاني: أنَّ محل العُذْر بالفَتْرَة المنصوص في قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } وأمثالها في الأمور الخفيَّة غير الواضِحَة. أما الواضح الذي لا يخفى على صاحب العقل؛ كعبادة الأوثان فلا يُعْذَر فيه أحدٌ ؛ لأنَّ الكفار يُقِرُّون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، النافع، الضار . ويتحققون كل التحقق أنَّ الأوثان لا تقدر على جلب نفع، ولا على دفع ضُرّ . كما قال عن قوم إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ } [الأنبياء: 65] ، وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يُخْلِصُونَ الدعاء لله وحده ؛ لعلمهم أنَّ غيره لا ينفع ولا يضر . كقوله: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت: 65] وقوله: { وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } [لقمان: 32] وقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } [الإسراء: 67] إلى غير ذلك من الآيات . ولكن الكفار غالَطُوا أنفسهم؛ لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تُقَرِّبُهُمْ إلى الله زُلْفَى، وأنها شفعاؤهم عند الله . مع أنَّ