فهرس الكتاب

الصفحة 920 من 4864

وعلى التسليم بصحة الخبر فليس المراد منه أنَّ ما يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوعان: منه ما يوافق الكتاب فهذا يُعمل به، ومنه ما يخالفه فهذا يُردُّ، بل لا يمكن أن يقول بذلك مُسلمٌ؛ لأن في ذلك اتهامًا للرسول - عليه الصلاة والسلام - بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، وكيف لمؤمن أن يقول ذلك وقد ائتمنه الله على وَحْيِهِ ودِينِهِ، وقال له: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي} [يونس: 15] .

فالرسول عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، ولا يمكن أن يوجد خَبَرٌ صحيحٌ ثابتٌ عنه مخالفٌ لما في القرآن.

فيكون معنى الحديث إذًا: إذا رُوِي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله، فإن خالفه فردُّوه فإنه ليس من قولي، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يَتَكَلَّمُونَ على علامات الوَضْعِ في الحديث، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مُخالفًا لمحكمات الكتاب، ولذلك قال:"فما أتاكم يوافق القرآن: فهو عنِّي، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي".

وعندما نقول: إنَّ السنة الصحيحة لابدَّ وأن تَكُونَ مُوافِقَةً للقُرْآنِ غيرَ مُخَالِفَةٍ له، فلا يلزم أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المُوَافَقَةُ موافقة تفصيلية في كل شيء، فقد تكون الموافَقَةُ على جهة الإجمال، فحين تُبَيِّنُ السنة حكمًا أجمله القرآن، أو توضِّح مُشْكِلًا، أو تخصص عامًّا، أو تقييد مطلقًا، أو غير ذلك من أوجه البيان، فهذا البيان في الحقيقة موافِقٌ لما في القرآن، غيرُ مخالفٍ له.

بل حتى الأحكام التي استقلَّتِ السُّنَّةُ بِإِثْباتِها: السُّنَّة لا تُخالِفُ القُرْآنَ؛ لأنَّ القُرآنَ سَكَتَ عَنْهَا على جِهَةِ التَّفْصِيلِ، وإن كان قد أشار إليها وتعَرَّضَ لها على جِهَةِ الإِجْمالِ حين قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت