وقال في موضع آخر:"فهذا الرجل -وهو الذي أسرف على نفسه، ثم أمر أبناءه عند موته بحرقه، وذرِّه في الرماد، وقصته مذكورة في"الصحيحين"- ظنَّ أن الله لا يقدر عليه إذا تفرَّق هذا التفرُّق، فظنَّ أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكلُّ واحدٍ من إنكار قدرة الله - تعالى - وإنكار معاد الأبدان - وإن تفرقت - كفرٌ؛ لكنه كان - مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه - جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن، مخطئًا؛ فغفر الله له ذلك".
وقال أيضًا:"وأما الفرائض الأربع؛ فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحُجَّة؛ فهو كافرٌ، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها؛ كالفواحش، والظلم، والكذب، والخمر، ونحو ذلك. أمَّا مَنْ لم تقم عليه الحُجَّة؛ مثل أن يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام، ونحو ذلك، أو غلط؛ فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك؛ فإنهم يُستتابون، وتقام الحُجَّة عليهم، فإن أصروا كُفِّروا حينئذ، ولا يُحكَم بكفرهم قبل ذلك".
وقال:"وأما التكفير؛ فالصواب أن مَنْ اجتهد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقصد الحقَّ فأخطأ؛ لم يُكفَّر؛ بل يُغفر له خطؤه، ومن تبيَّن له ما جاء به الرسول، فشاقَّ الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى، واتَّبع غير سبيل المؤمنين؛ فهو كافرٌ، ومن اتَّبع هواه وقصَّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم؛ فهو عاصٍ مذنب، ثم قد يكون فاسقًا، وقد يكون له حسنات ترجَّح على سيئاته".