وليعلم: أنه ليس لأحد اختيارٌ مع أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فالذي حرَّم عبادة الأحجار والأشجار والأوثان، وحرَّم التقرُّب إليه بغير ما شرع الله، هو الذي أمر بالطواف حول بيته، وشرع تقبيل الحجر، ولذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول:"إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلُكَ ما قبَّلْتُكَ"؛ متفقٌ عليه.
قال الإمام الطَّبريُّ:"إنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهدٍ بعبادة الأصنام؛ فخشي عمر أن يظنَّ الجهَّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يُعلِم الناس أن استلامه اتِّباعٌ لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا لأنَّ الحجر ينفع ويضرُّ بذاته، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان".
وقال الباجيُّ في"المنتقى":"تقبيلُه وتعظيمه ليس لذاته، ولا لمعنًى فيه؛ وإنما هو لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع ذلك طاعةً لله - تعالى".
وقال الحافظ ابن حجر في"الفتح":"قال المهلب: وإنما شُرع تقبيله اختيارًا؛ ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيهٌ بقصة إبليس؛ حيث أمر بالسجود لآدم"وقال:"وفي قول عمر هذا التسليم للشَّارع في أمور الدين، وحسنُ الاتِّباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدةٌ عظيمةٌ في اتِّباع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفعُ ما وقع لبعض الجهَّال من أنَّ في الحجر الأسود خاصةً ترجع إلى ذاته، وفيه بيان السُّنن بالقول والفعل، وأن الإمام إذا خشي على أحدٍ من فعله فساد اعتقاده، أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضِّح ذلك".