واختص سبحانه أيضًا بعلم ما في الأرحام تفصيلًا من جهة تَخَلُّقِهِ وعدم تخلقه، ونموه وبقائه لتمام مدته، وسقوطه قبلها حيًا أو ميتًا، وسلامته وما قد طرأ عليه من آفات دون أن يكسب علمه بذلك من غيره أو يتوقف على أسباب أو تجارب؛ بل يعلم ما سيكون عليه قبل أن يكون، وقبل أن تكون الأسباب، فإن لمقدر الأسباب وموجدها عِلْمًا لا يَتَخَلَّف ولا يختلف عنه الواقع وهو الله سبحانه، وقد يطلع المخلوق على شيء من أحوال ما في الأرحام من ذكورة أو أنوثة، أو سلامة أو إصابته بآفة، أو قرب ولادة، أو توقع سقوط الحمل قبل التمام؛ لكن ذلك بتوفيق من الله إلى أسباب ذلك من كشف بأشعة لا من نفسه، ولا بدون أسباب، وذلك بعد ما يأمر الله الملك بتصوير الجنين، ولا يكون شاملًًا لكل أحوال ما في الرحم؛ بل إجمالًا في بعضه مع احتمال الخطأ أحيانًا.
ولا تدري نفس ماذا تكسب غدًا من شؤون دينها ودنياها، فهذا أيضًا مما استأثر الله بعلمه تفصيلًا، وقد يتوقع الناس كسبًا أو خسارة على وجه الإجمال مما يبعث فيهم أملًا وإقدامًا على السعي أو خوفًا وإحجامًا بناء على أمارات وظروف محيطة بهم - فكل هذا لا يسمى علمًا. وكذا لا تدري نفس بأي أرض تموت في بر أو بحر في بلدها أو بلد آخر، إنما يعلم تفصيل ذلك الله وحده؛ فإنه سبحانه له كمال العلم والإحاطة بجميع الشؤون علنها وغيبها ظاهرها وباطنها .
وجملة القول: إن علم الله من نفسه غير مكتسب من غيره، ولا متوقف على أسباب وتجارب، وأنه يعلم ما كان وما سيكون، وأنه لا يشوب علمه غموض ولا يتخلف، وأنه عام شامل لجميع الكائنات تفصيلًا؛ جليلها ودقيقها بخلاف غيره سبحانه، والله المستعان .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
ــــــــــــــــــ
[1] البخاري (4627) ، وأطرافه في (1039) .
[2] أحمد (2/24، 52، 58، 122) .