وظاهر الأحاديث: أن المراد بهذه الأحرف: اللغات؛ هو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم من الإظهار والإدغام والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد, وغير ذلك من وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة, فإن الحرف هو الطرف والوجه.
ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل, إني بُعثت إلى أمة أميين؛ منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط, فقال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف"."
وسبب وروده على سبعة أحرف؛ للتخفيف على هذه الأمة, وإرادة اليسر بها, والتهوين عليها شرفًا لها, وتوسعة ورحمة, وخصوصية لفضلها, وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم. ومنها نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز, وسهولة حفظه وتيسير نقله.
وكان جبريل عليه السلام يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بمختلف هذه الأوجه والقراءات, ولذلك بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم: أن القرآن أنزل عليها, وإنها كلها شاف كاف, وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها, والإقرار بكلها إذ كانت كلها من عند الله تعالى منزلة, ومنه صلى الله عليه وسلم مأخوذة.
ولم تلزم الأمة بحفظ الأحرف السبعة كلها ولا القراءة بأجمعها؛ بل هي مخيرة في القراءة بأي حرف شاءت منها؛ وقد أمرت بحفظ القرآن وتلاوته, ثم خيرت في أي الأحرف السبعة شاءت.