فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 4864

لَتَعارَض روايتاه, والجَمْعُ - ما أمكن المصير إليه - هو الواجبُ. ومن المؤيِّدات للحَمْل على الجَمْع الصوري أيضًا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال:"خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يؤخِّر الظهرَ ويعجِّل العصرَ، فيجمع بينهما, ويؤخِّر المغربَ ويعجِّل العشاءَ، فيجمع بينهما". وهذا هو الجَمْع الصوري, وابن عمر هو ممن روى جَمْعَه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة؛ كما أخرج ذلك عبدالرزاق عنه. وهذه الروايات مُعَيِّنَةٌ لما هو المراد بلفظ"جَمَعَ"لما تقرر في الأصول من أن لفظ:"جَمَعَ بين الظهر والعصر"لا يَعُمُّ وقتها؛ كما في"مختصر المنتهى"وشروحه، و"الغاية"وشرحها، وسائر كتب الأصول؛ بل مدلولُه لغةً الهيئةُ الاجتماعية, وهي موجودة في جَمْع التقديم والتأخير، والجَمْع الصوري, إلا أنه لا يتناول جميعها ولا اثنين منها, إذ الفعلُ المُثْبَتُ لا يكون عامًّا في أقسامه؛ كما صرح بذلك أئمة الأصول، فلا يتعيَّن واحدٌ من صور الجَمْع المذكور إلا بدليل, وقد قام الدليل على أن الجَمْع المذكور في الباب هو الجَمْعُ الصوري؛ فوجب المصير إلى ذلك". إلى أن قال:"ولا يشك مُنصِفٌ أنَّ فِعْلَ الصلاتين دفعةً، والخروجَ إليهما مرةً أخفُّ مِن خلافه وأيسر ... وأنه - صلى الله عليه وسلم - ما صلَّى صلاةً لآخر وقتها مرتين, فربما ظنَّ ظانٌّ أنَّ فِعْلَ الصلاة في أول وقتها متحتمٌ؛ لملازمته - صلى الله عليه وسلم - لذلك طول عمره, فكان في جَمْعه جمعًا صوريًّا تخفيفٌ وتسهيل على مَن اقتدى بمجرد الفعل. وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال, ولهذا"امتنع الصحابة - رضي الله عنهم - مِن نَحْرِ بُدْنِهم يوم الحديبية بعد أن أَمَرَهم - صلى الله عليه وسلم - بالنَّحْر؛ حتى دخل - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة مغمومًا, فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاَّقَ يَحْلِق له، ففعل؛ فنحروا أَجْمَع، وكادوا يهلكون غمًّا من"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت