وقد فَصَّل ابن القيم - رحمه الله - المسألة تفصيلًا جيدًا؛ فذَكَرَ حُجج الفريقين، ثم رَجَّح ما اخترناه، فقال في كتابه الماتع"مِفتاح دار السعادة":"... واحتج القائلون بجواز أن يقال: فلان خليفة الله في أرضه - بقوله - تعالى - للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، وبقوله - تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 39] ، وهذا خطاب لنوع الإنسان، وبقوله - تعالى: {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] ، وبقول موسى لقومه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله مُمَكِّنٌ لكم في الأرض، ومستخلفكم فيها فناظِرٌ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ) ). واحتجوا بقول الراعي يخاطب أبا بكر - رضي الله عنه:"
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ = حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلاَ
عُرْبٌ نَرَى للهِ فِي أَمْوَالِنَا = حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلاَ
وَمَنَعَتْ طَائفة هذا الإطلاق، وقالت لا يقال لأحد إنه خليفة الله؛ فإن الخليفة إنما يكون عمن يغيب، ويَخْلُفُه غَيْرُه، والله - تعالى - شاهدٌ غيرُ غائب، قريبٌ غير بعيد، راءٍ وسامع؛ فمحال أن يَخْلُفَهُ غيرُهُ؛ بل هو - سبحانه - الذي يَخْلُف عبده المؤمن، فيكون خليفته؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الدجال: (( إنْ يَخرُج وأنا فيكم فأنا حَجِيجُه دونكم، وإن يَخرُج ولست فيكم فامرؤ حَجِيجُ نَفْسِه، والله خليفتي على كُلِّ مؤمن ) ). والحديث في الصحيح.