-أما قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ) )؛ متَّفق عليه فمعناه: تيقّن الحَدَث، وأنَّ الصَّلاة صحيحة مَا لَمْ يَتَيَقَّن الْحَدَث. وليس المراد تخصيص هذين الأمرين ....؛ لأنَّ المعنى إذا كان أوسعَ من اللفظ كان الحُكْمُ لِلمعنَى؛ كما قال الخطابي في"معالم السنن"، فإذا تَحَقَّق مِن شَيْءٍ عَمِل بمُقتضاهُ، فلا يستجيب للوساوس، وهذا الحديث من أدلَّة القاعدة الشرعِية المُقَرَّرة: أنَّ اليقين لا يَزولُ بِالشَّكّ، فمَن كان متطهّرًا وشكَّ في انتقاضِ وضوئِه، سواءٌ كان في الصلاة أو خارِجَها، فلا يَنْتَقِضُ وُضوؤُه - ولَوْ كان في الصلاة - حتى يستيقن الحدث.
قال النوويُّ رحمه الله تعالى في"شرح مسلم":"معناه يَعلم وجودَ أحدِهِما، ولا يشْترطُ السَّماعُ والشَّمّ بِإجْماعِ المسلمين، وهذا الحديثُ أَصْلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ عظيمة من قواعِد الفقه، وهي أنَّ الأشياءَ يُحْكَمُ بِبَقائِها على أُصُولِها حتَّى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشَّكّ الطارئُ عليها، فَمِنْ ذلِكَ مسألةُ البابِ الَّتِي ورد فيها الحديثُ، وهي أنَّ من تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحدث حُكِمَ بِبقائِه على الطهارة، ولا فَرْقَ بَيْنَ حصولِ هذا الشَّكّ في نفس الصلاة وحصولِه خارجَ الصلاة، هذا مذهَبُنا ومذهبُ جماهير العلماءِ من السلف والخلف"انتهى.
-هذا كُلُّه إذا كان خروجُ الرّيح طبيعيًّا، أمَّا إذا كان الخروج مستمرًّا - بحيثُ لا يَعلم الشخص أنه سينقطِعُ فترةً معيّنة يتمكّن فيها من الطهارة وأداءِ الصلاة في وقتها - فَحُكْمُه حكم سلس البول، فيتوضَّأُ صاحبُه لِلصلاة بعد دخول وقتها، ويصلّي الفريضةَ وما شاء بعدَها من نوافل، ولا يضرُّه خروجُ الريح وإن خرجتْ أثناءَ الصلاة ما لم يكن قد تعمَّدَ إخراجَها.
والله أعلم.