فإن الذي يُنصَح بالصوم هو الإنسان الطبيعي؛ لكسر شهوته أمام الجنس المقابِل، وليس الإنسان الذي يشعر بميلٍ شاذٍّ لنوعه؛ فهذا لا يُعالَج بالصوم، وإنما يُعالَج بما ذكرنا منَ الصبر، واللجوء إلى الله، ومجالسة الصالحين، والتعوُّذ بالله منَ الشيطان ووساوسه، وتقوية العزيمة، فالصحابة - رُضوان الله عليهم - كانوا مدمنين للخمر قبل تحريمها، بحالةٍ قريبةٍ من الحالة المذكورة في السؤال، ولكن لمَّا تمكَّن الإيمان من قلوبهم، وحرَّمها الله عليهم؛ قاموا بسكبها وكسر الدِّنان، وقُضِيَ الأمر.
فالشرع لا يستسلم لطبيعة الإنسان التي خُلِقَ عليها، وإنما يُطالب بتقويمها كقَدْرٍ شرعيٍّ؛ فكلُّ مَنْ به خَصْلَةٌ سوء؛ فهو مطالبٌ بتقويمها، ولذلك قال النبيُّ عندما غضب الرجل: (( إنى لأعلم كلمةً لو قالها؛ لذهب عنه الذى يَجِدُ ) )، وقال لمَن لم يستطعِ الزواج: عليه بالصوم، فإنه له وِجَاءٌ، وهكذا.
فهذا هو سبيل النبيِّين في تقويم غرائز الإنسان بما افترضه الله عليه من تكاليف؛ فالإنسان مفطورٌ على المَيْل لجميع الشهوات؛ كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] .
ولكنَّ الشرع أمره بالاستمتاع بالمباح منها، وتَرْك ما حرَّم؛ فهل يعالج الفقر بإباحة السرقة؟! وهل نُجيزُ لمَنْ خُلُقُه غير مستعففٍ أن ينظر لما في أيدي الناس، أو يتكففهم، أو نُبِيحُ لمن لم يستطع النكاح الزنا؛ لأن الله تعالى ركَّب في الإنسان شهوة المَيْل للنِّساء، ونهاه عن الخِصاء؟!
ومع هذا نهاه الله عن جميع الفواحش، ما ظهر منها وما بَطَن، فكلُّ خَصْلَةٍ في الإنسان من الخصال الشر يترتَّب عليها تكليفٌ بالكف وإباحة البدائل المشروعة.