ومنها: ما رواه أحمد وأبو داود، وصححه البخاري عن عُبادة بن الصامت قال:"كُنَّا خَلْف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثقُلَتْ عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: (( لعلكم تقرؤون خَلْف إمامكم؟ ) ). قلنا:"نعم يا رسول الله". قال: (( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمَن لم يقرأ بها ) )، وفي لفظ: (( فلا تقرؤوا من القرآن إذا جهرتُ به إلا بأمِّ القرآن ) )؛ رواه أبو داود والنسائي، وفي لفظ (( لا يَقرَأنَّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة إلا بأمِّ القرآن ) )؛ رواه الدارقطني وقال: رجاله كلهم ثقات؛ وهذا الحديث نصٌّ في مَحَلِّ النزاع."
القول الثالث: التفريق بين السرِّية والجهرية، قالوا: إذا كان المأموم يَسمع قراءةَ الإمام، ويؤمِّن عليها، فالإمامُ يَتَحَمَّل عنه قراءةَ الفاتحة، وإذا كان المأمومُ لا يَسمع قراءةَ الإمام، ولا يؤمِّن عليها لكون الصلاة سرية، فعليه أن يقرأها.
واستدلوا بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] ، مع قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ) )؛ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وأجاب الشافعية ومَن وافقهم: بأنها عمومات، وحديث عُبادةَ خاصٌّ، وبِناءُ العامِّ على الخاصِّ واجبٌ؛ كما تقرَّرَ في الأصول؛ قال الشوكاني في"نيل الأوطار":"وهذا لا مَحِيصَ عنه؛ ويؤيده الأحاديث المتقدمة، القاضيةُ بوجوب فاتحة الكتاب في كلِّ ركعة، من غير فرْق بين الإمام والمأموم؛ لأن البراءة عن عهدتها إنما تَحصُل بناقلٍ صحيح؛ لا بمثل هذه العمومات، التي اقترنت بما يجب تقديمه عليها".