ولا شك أن إضفاء المشروعية على الأموال الحرام - بتبييضها - لا يحلُّها؛ لأن كسب المال بطرق غير مشروعة مجمعٌ على تحريمه، ومن حاول تغيير ذلك الوصف الشرعي وقع في إثمين؛ الأول: اكتساب المال الحرام، والثاني: الخديعة والكذب، بإخفاء مصدر تلك الأموال، فالفرع تابعٌ للأصل، كما هو معلوم.
أما الأدلة على تحريم كلا الأمرين - الكسب المحرم والتبييض - فأكثر من أن تحصر في هذا المقام، ونكتفي بذكر بعضها:
فمنها قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157] ، وقوله: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] ، ولا شك أن غسيل الأموال المحرمة من الخبيث إذ هي نتاج ما تولدت عنه، وهي محرمة في الأصل وإذا سقط الأصل - وهو الكسب المحرم - سقط الفرع، وهو غسيل الأموال.
وقال تعالى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] ، فقوله تعالى: {بِالْبَاطِلِ} يعنى: الحرام، وهو ينقسم إلى:
محرم لعينه: كالخمر، ولحم الخنزير.
محرم لوصفه: كالربا.
محرم لكسبه: كالغصب.
وتبييض الأموال يدخل في الأقسام الثلاثة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره"الجامع لاحكام القرآن":"والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق؛ فيدخل في هذا القمار، والخداع، والغُصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرَّمته الشريعة - وإن طابت نفس مالكه - كمهر البغي أو حُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك". وقال في موضع آخر:"أجمع أهل السنة على أن من أكل مالًا حرامًا، ولو ما يصدق عليه اسم المال، أنه يفسق".