ولا حجة في تلك الآثار على جواز الأخذ من اللحية؛ لمعارضتها للأحاديث المتواترة القاضية بوجوب إعفاء اللّحية، ولمعارضتها - أيضا - للثابت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -قال الإمام النووي:"... فحصل خمس روايات (( أَعْفُوا وَأَوْفُوا وَأَرْخُوا وَأَرْجُوا وَوَفِّرُوا ) )وَمَعْنَاهَا كُلّهَا: تَرْكُهَا عَلَى حَالهَا، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجرٍ في"الفتح"في معنى"أعفوا":"ذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفّروا أو كثّروا ، وهو الصواب". ونقل عن ابن دقيق العيد قوله:"تفسير الإعفاء بالتّكثير، من إقامة السّبب مقام المسبّب لأنّ حقيقة الإعفاء التّرك, وترك التّعرض للّحية يستلزم تكثيرها".
وقال في"تحفة الأحوذي":"وأما قول من قال إنه إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد واستدل بآثار ابن عمر وعمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - فهو ضعيف؛ لأن أحاديث الإعفاء المرفوعة الصحيحة تنفي هذه الآثار، فهذه الآثار لا تَصْلُح للاستدلال بها مع وجود هذه الأحاديث المرفوعة الصحيحة، فأسلم الأقوال هو قول من قال بظاهر أحاديث الإعفاء، وكره أن يؤخذ شيء من طول اللحية وعرضِهَا". اهـ.