ومع ذلك؛ فقد جعل الله - تبارك وتعالى - للعبد اختيارًا ومشيئةً، وأعطاه عقلًا وسمعًا، وإدراكًا وإرادةً، فهو يعرف الخير من الشرِّ، والضارَّ من النافع، وما يلائمه وما لا يلائمه، وأُعطي القوة لتنفيذ ما يريد؛ فيختار لنفسه طريق الخير أو الشر، وبذلك تعلَّقت التكاليف الشرعية المرتبطة به من الأمر والنهي، وعلى أساسها يُحاسب على أفعاله التي اختارها لنفسه؛ فينال الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية؛ قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] ، وقال سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] .
فأدلَّة الوحي تفيدُ: أن للإنسان كسبًا وعملًا، وقدرةً وإرادةً، وبسبب تصرُّفه بتلك القدرة والإرادة، يكون من أهل الجنة أو النار"."
وبناءً على هذا؛ فإن الإنسان مسيَّرٌ؛ لأنه لا يخرج بشيءٍ من أعماله كلها عن قدرة الله تعالى ومشيئته، ومخيَّرٌ في أفعاله من خير أو شرٍّ، ولم يُكرهْهُ أحدٌ على انتهاج هذا المسلك أو ذاك، فالتَّسيير المحضُ: هو أن يهمَّ المرءُ بفعلٍ؛ فلا يجد الوسيلة لفعله، والتَّخيير المحضُ: هو أن يقوم بأفعاله من غير أن تكون محدَّدة له سلفًا.
أما قولكِ: وما ذنب مَنْ يولد يهوديًّا أو نصرانيًّا، ليكون مصيره إلى النار؟
فنقولُ: إن الله تعالى خلق كل إنسان مسلمًا، مهيَّئًا لقبول الحق، أما التهوُّد أو التنصُّر؛ فأمرٌ طارئٌ على أصل الفطرة، من قِبَلِ الإنسان نفسه؛ تقليدًا لآبائه، واتِّباعًا لهواه!!