وهذا الذي قلناه إنما هو بالنسبة للدعاء مطلقًا، غير المقيد بعبادة من العبادات التي نقلت صفتها، ولم يذكر فيها رفع اليدين؛ كخطبة الجمعة؛ لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، ولاعن صحابته رضي الله عنهم، مع كثرة الجُمَع التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.
وأخرج مسلم من حديث عمارة بن رُوَيبة:"أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه, فأنكر ذلك وقال: قَبَّحَ اللهُ هاتين اليدين؛ لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يَزِيدُ على أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعه المُسَبِّحَة."
وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: (( لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ) ).
ويشبه أن يكون أنس رضي الله عنه يريد في الصلاة، أو كما قال الحافظ ابن حجر:"إن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع ...، وحاصله: أن الرفع في الاستسقاء يُخَالِفُ غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه - مثلًا - وفي الدعاء إلى حذو المنكبين, ولا يُعَكِّر على ذلك أنه ثبت في كل منهما: (( حتى يُرَى بياض إبطيه ) )، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره, وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء".
وقال شيخ الإسلام في"الفتاوى":"ويُكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة وهو أَصَحُّ الوجهين لأصحابنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر"،، والله أعلم.