أما الإشهار: فإن الظاهر من السؤال أن السائل يقصد به إشهار عقد النكاح داخل المسجد، فإن كان الأمر كذلك فعقد النكاح في المسجد مستحب عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وذهب المالكية وبعض الحنابلة إلى أنه جائز فقط؛ قال الكمال بن الهمام -الحنفي- في فتح القدير: (( ويستحب مباشرة عقد النكاح في المسجد ; لأنه عبادة , وكذا في يوم الجمعة واختلفوا في كراهة الزفاف والمختار لا يكره إذا لم يشتمل على مفسدة دينية، وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف ) ))) . وصرح البلخي في"الفتاوى الهندية"، وابن عابدين في"رد المحتار"- الحنفيان - باستحباب مباشرة عقد النكاح في المساجد. وقال الحطاب - المالكي - في"مواهب الجليل": (( وأما العقد في المسجد فعدَّه المصنف وغيره من الجائزات، فقال في باب موات الأرض: وجاز بمسجد سكنى رجل تجرد للعبادة وعقد نكاح ) ). وقال الهيتمي الشافعي في"تحفة المحتاج": (( ويسن أن يتزوج في شوال , وأن يدخل فيه , وأن يعقد في المسجد ) ). وقال البهوتي الحنبلي في"كشاف القناع عن متن الإقناع": (( ويباح فيه عقد النكاح , بل يستحب كما ذكره بعض الأصحاب ) ). في"الآداب الشرعية"لابن مفلح - الحنبلي: (( وقال في الرعاية وغيرها: ويباح عقد النكاح فيه - المسجد - ) ).
والراجح - والله أعلم - أن عقد النكاح في المسجد جائز فقط، وأما الاستحباب فيحتاج إلى دليل، وحديث عائشة الذي ذكره ابن الهمام - (( واجعلوه في المساجد ) )- ضعيف، ولو صحَّ لكان نصًّا في الباب، علمًا بأن الشوكاني في"السيل الجرار"ذهب إلى المنع؛ حيث قال: (( إن انتهض حديث:"واجعلوه في المساجد"للحجية فأقل أحوال هذا الأمر الندب، وإلا فالمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فلا يجوز فيها غير ذلك إلا بدليل يخصص هذا العموم؛ كما وقع من لعب الحبشة بحرابهم في مسجده ) ).